طنوس الشدياق

334

أخبار الأعيان في جبل لبنان

ثم إن الجزار شرع في عمارة السور المنهدم وطفق يهيئ الميرة وآلات الحرب للحصار ويمنع أهل البلاد من الدخول إلى المدينة ولا يدع شيئا يخرج منها . ولما بلغ الأمير ذلك حقق منه العصيان فجمع عسكرا واتى اليه قاصدا اخراجه من بيروت فنزل في بعبدا وجعل يراسله بكتبه ويذكره الصنيع الذي اصطنعه معه . فطلب الجزار الاجتماع بالأمير وكتب اليه ان يحضر بنفر قليل إلى قرب البلدة ليخرج اليه ويخاطبه مشافهة . فحضر الأمير إلى المصيطبة قرب المدينة وخرج الجزار بأصحابه إلى مقابلته . فاظهر الجزار التواضع وتلطف بالأمير واقنعه انه لا يروم الخروج عن محالفته مستميحا منه ان يمهله أربعين يوما فيخرج من المدينة ويسلمها له . وكان بعض اليزبكية يكرهون نجاح الأمير فاغروه على ابقاء الجزار تلك المدة فاغتر وأجاب سؤال الجزار ونهض راجعا إلى دير القمر . فاخذ الجزار يحصن المدينة تلك المدة . ولما مضت كتب اليه الأمير ان يخرج من المدينة ويسلمها حسبما تعاهدا فأبى واظهر العصيان واطلق جماعة المغاربة إلى الخارج . وامرهم بالمخرقة وقتل من يجدونه من البلاد ففعلوا . ولما بلغ الأمير ذلك جمع عسكرا ونهض به لحصار المدينة واتفق مع عمه الأمير منصور وكتبا إلى ظاهر العمر والي عكا يلتمسان منه ان يطلق العمارة المسكوبية لاعانتهما على إزالة الجزار من بيروت وتسليمها للأمير يوسف . لان أمير السفن كان مأمورا من ملكته كاترينا بطاعة ظاهر العمر صديقها المتحد معها على حرب الدولة العثمانية فأجاب ظاهر طلبهما وكتب إلى أمير السفن الذي كان في مينا قبرس ان يرسل سفنه إلى استخلاص بيروت من يد الجزار حسب طلب الأميرين فأجاب دعوته واقلع بالسفن من قبرس إلى بيروت . فأرسل اليه الاميران كتابا وجعلا له على فتح المدينة وتسليمها لهما ثلاثمائة الف غرش وارهنا عنده الأمير موسى منصور فشرع أمير السفن بالحصار . فأخرج رجالا إلى البر وأقام الحصار على المدينة برا وبحرا . وأطلقت عليها المدافع نهارا وليلا متصلة حتى سمع صوتها إلى ظاهر دمشق ودام الحصار أربعة اشهر . ولما تضايق الجزار من شدة ذلك الحصار كتب إلى ظاهر العمر يلتمس منه النجاة له ولمن معه على أنه يخرج من المدينة بأصحابه ويسلمها . فاجابه ظاهر العمر إلى ما التمس وخاطب الأمير بذلك فارتضى . فأرسل ظاهر العمر رسولا لاستلام المدينة فدخلها واخرج منها الجزار وأصحابه وتابعيه وسلمها للأمير وسار إلى عكا . فاستلمها الأمير واستولى عليها وجمع أسلحة أهلها وجرمهم ودفع لأمير السفن بعض ماله . فاطلق له الأمير موسى المرهون وأبقى من لدنه وكيلا يقبض باقي المال واقلع بسفنه إلى قبرس .