طنوس الشدياق
140
أخبار الأعيان في جبل لبنان
فرامين يتهدده بها فكان ينكر بعض افعاله ويعتذر عن بعضها . فاشتد حنق الدولة عليه وأرسلت مراد باشا الصدر الأعظم بثلاثمائة الف مقاتل لقصاص علي باشا وتمهيد البلاد . فطرد جمشيد من ادنة ولما عبر جسر المصيصة جمع علي باشا ثمانين الف مقاتل وخرج لمحاربته فأرسل اليه مراد باشا رسلا يدعونه إلى الصلح لأنه كان مشهورا بالقوة والبطش فأبى علي باشا ذلك خوفا من الغدر به وسار لقتاله فالتقى الجيشان واصطدم الجحفلان وتسابقت الفرسان سبق الرهان وهمهمت الشجعان في موقف الطعان فما كنت ترى الا فارسا غائرا ورأسا طائرا وشجاعا زائرا ودما فائرا . وعند المساء رجع كل إلى مكانه . ومن الغد التقت العساكر بالعساكر واندفقوا كالبحور الزواخر ودام الحرب إلى المساء فأشار حسن باشا الترياقي أحد مدبري عسكر السلطان بان تخفى المدافع الكبيرة في وسط محل القتال وان يقاتلوا إلى وقت الظهر وعنده يفترقون لليمين والشمال ويخلون القتال ففعلوا . ومن الغد زحف العسكران واشتد الحرب والطعان وعنده الظهيرة انهزمت عساكر السلطان يمينا وشمالا فظن عساكر علي باشا انهم غلبوا فبالغوا في الاقدام حتى كادوا يخالطونهم فأطلقت عليهم المدافع فانهزموا وأطبقت عليهم العساكر العثمانية من الميمنة والميسرة واعملوا في أقفيتهم السلاح فقتل منهم خلق كثير وفرّ علي باشا إلى حلب . وعند الصباح وضع في القلعة عياله وأقاربه والمثمنات والف رجل لمحافظتهم وفرّ منهزما إلى مدينة ملطية ومعه ابن عمه مصطفى بك قاصدا الذهاب إلى إسلامبول يطلب العفو . اما مراد باشا فإنه امر بقتل كل من تجده عساكره من عساكر علي باشا ودخل إلى حلب . وامر باخراج من في القلعة فطلبوا منه الأمان فأمنهم فخرجوا ففرّق الرجال على قواد عساكره وامر بقتلهم فقتلوا عن آخرهم . وضبط جميع ما لعلي باشا وأقاربه وأصحابه . واما علي باشا فإنه سار من ملطية إلى إسلامبول مسترحما العفو فعفا عنه السلطان وولّاه منصب طمشوار في بلاد الروملي . وجعل مصطفى بك طيرغا في دايرته الخاصة . وسنة 1611 توفي علي باشا في بلغراد وكان شجاعا فتّاكا كريما عادلا حليما وديعا هماما عاقلا .