محمد بن علي الشوكاني

70

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

البخاريّ بحضرة السلطان وغيره . واتصل بالكمال البارزي فنوّه به وبالزينيّ عبد الباسط وغيرهما من المباشرين والأمراء بحيث اشتهر . وناظر الأماثل ، وذكر بالطلاقة والبراعة والجرأة الزائدة فلما ولي الظاهر جقمق - وكان يصحبه - تردّد إليه فأكثر وصار أحد ندمائه وخواصّه فانثالت عليه الدنيا فتزوّج مرة بعد أخرى لمزيد رغبته في النساء مع كونه مطلاقا . قال السخاوي « 1 » : وظهر لما ترفّع حاله ما كان كامنا عليه من اعتقاد نفسه الذي جرّ إليه الطيش والخفّة . ولم يلبث أن وقع بينه وبين حميد الدين النّعمانيّ المنسوب إلى أبي حنيفة والمحكيّ أنه من ذرّيته - مباحث تسطّا فيها عليه وتشاتما بحيث تعدّى هذا إلى آبائه ، ووصل علم ذلك إلى السلطان فأمر بالقبض عليه ، وسجنه بالبرج . ثم ادّعى عليه عند قاضي الحنفية ابن الدّيريّ وأقيمت البيّنة بالشتم ، وبكون المشتوم من ذرية الإمام أبي حنيفة وعزّر بحضرة السلطان نحو ثمانين ضربة ، وأمر بنفيه وأخرج عن تدريس الفقه بالبرقوقية فاستقرّ فيه الجلال المحلّي ا ه . قلت : وقد لطف اللّه بالمترجم له بمرافعته إلى حاكم حنفيّ فلو روفع إلى مالكيّ لحكم بضرب عنقه . وقبّح اللّه هذه المجازفات والاستحلال للدماء والأعراض ، بمجرد أشياء لم يوجب اللّه فيها إراقة دم ولا هتك عرض ، فإن ضرب هذا العالم الكبير نحو ثمانين جلدة ونفيه وتمزيق عرضه ، والوضع من شأنه - بمجرد كونه شاتم من شاتمه - ظلم بيّن ، وعسف ظاهر . ولا سيما إذا كان لا يدري بانتساب من ذكر إلى ذلك الإمام . لا جرم قد أبدله اللّه بسلطان خير من سلطانه ، وجيران أفضل من جيرانه ، ورزق أوسع مما منعوه منه ، وجاه أرفع مما حسدوه عليه ، فإنه لمّا خرج توجه إلى مملكة الروم . وما زال يترقى بها حتى استقر في قضاء العسكر وغيره وتحوّل حنفيا ، وعظم اختصاصه بملك الروم ومدحه وغيره بقصائد طنّانة ، وحسنت حاله هنالك جدا بحيث لم يصر عند ( السلطان محمد مراد ) أحظى منه . وانتقل من

--> ( 1 ) في الضوء اللامع ( 1 / 242 ) .