محمد بن علي الشوكاني

501

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

اختصه اللّه بها ومزية شرّفه [ اللّه ] « 1 » بالتحلّي بها ، فإن التواضع مع مزيد الشرف أحبّ من الشرف ، ثم له من حسن الأخلاق أوفر حظّ وأكرم نصيب قل أن يجد الإنسان مثل حسن خلقه عند أصغر المتعلّقين بخدمته مع ما جبل عليه من حسن النية وكرم الطويّة وتفويض الأمور إلى خالقه والوقوف تحت المشيئة ، وبهذا السبب ظفره اللّه بمن يناوئه ونصره على جميع من يعاديه فلم تقم لباغ عليه قائمة وهو مجبول على الغريزتين اللتين يحبّهما اللّه ورسوله الكرم والشجاعة ، وإذا وقع في الظاهر شيء مما يظنّ من لم يطّلع على الحقيقة أنه يخالف ذلك فهو لعذر ، لو اطّلع عليه لوجده الصواب الذي لا ينبغي سواه ولا يليق غيره ، وقد يكون ذلك لسبب بعض المتّصلين بمقامه العالي ، وهكذا إذا وقع في جانب الرعية ما لا يناسب الشرع فهو بسبب من غيره ، وأما هو فلا يحب إلا الخير ولا يريد إلا العدل ، وإذا اتضح له ذلك أبطله ولم يرض به ، وكثيرا ما يخفى عليه ذلك بسبب مصانعة بعض من يتصل به للبعض الآخر ، فمن هذه الحيثية قد يقع أمر لا يريده ولا يرضى به ، وقد اشتهر هذا بين الناس حتى لا يقع التوجّع منه في شيء أبدا بل لجميع الرعية فيه غاية المحبة بحيث إنه مرض في بعض السنين فكانوا يجتمعون ويبكون ويدعون له بالبقاء وقل أن يتفق مثل هذا لأحد من الأئمة والسلاطين في المتقدمين والمتأخّرين ، وهو آخذ من علم الشرع بنصيب ، قرأ قبل مصير الخلافة إليه في الفقه والنحو على العلامة الحسن بن عليّ حنش الذي صار وزيرا له كما تقدم . وله شغف شديد بالكتب النفيسة ومطالعتها بحيث لا يقف في مكان إلا وعنده منها عدّة . ولما كان في شهر رجب سنة ( 1209 ) مات قاضيه المتقدّم ذكره وكان صدرا من الصدور وعارفا بقوانين الأمور [ و ] « 2 » قد تولى القضاء الأكبر في أيام جدّه المنصور باللّه الحسين بن القاسم وفي أيام والده الإمام المهديّ ، وضم إليه الوزارة

--> ( 1 ) زيادة من [ أ ] . ( 2 ) زيادة من [ أ ] .