محمد بن علي الشوكاني
36
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
على الشيخ الخضر بن سليمان الهرش وفي الجبر والمقابلة . وفاق في جميع ذلك حتى أقرّ له أقرانه . وقال عن نفسه أنه يتقدر على تقدير ما في البركة الكبيرة من الماء بالأرطال وكان يتكسّب بالتجارة مع قنوع وعفاف واشتغال بأنواع العبادة فجمع مالا حلالا عاد به على أهله وإخوانه ومن يقصده . وكرر السفر إلى مكة المشرّفة وهو يزداد في أوصاف الخير على اختلاف أنواعها حتى خالط الخوف قلبه وشغل بوظائف العبادة قالبه ، واستوحش من كل معارفه ومال إلى الانعزال عن الناس وانجمع عن المخالطة لهم وعكف على معالجة قلبه عن مرض حبّ الدنيا ولزم المحاسبة لنفسه عن كل جليل ودقيق وصام الأبد إلا العيدين والتشريق ، وأحيا ليله بالقيام لمناجاة ربّه وتناقل الناس عنه كلمات نافعة هي الدواء المجرّب لإصلاح القلوب القاسية كقوله [ ليس الزاهد من يملك شيئا [ 2 ] إنما الزاهد من لا يملك شيئا ] « 1 » وكقوله لبعض إخوانه ( يا أخي جدّد السفينة فإن البحر عميق ، وأكثر الزاد فإن الطريق بعيد ، وأخلص العمل فإن الناقد بصير ) وكقوله ( بالفقر والافتقار والذلّ والانكسار تحيا قلوب العارفين ) ومن شعره الذي تحيا به القلوب قوله : ببابك عبد واقف متضرّع * مقلّ فقير سائل [ متطلّع ] « 2 » حزين كئيب من جلالك مطرق * ذليل [ عليل ] « 3 » قلبه [ متقطع ] « 4 » ومنها : فؤادي محزون ونومي مشرّد * ودمعي مسفوح وقلبي مروّع وكان مجاب الدعوة في كل ما يتوجّه له . وله في ذلك حكايات وروايات ،
--> ( 1 ) في [ ب ] ليس الزاهد من لا يملك شيئا إنما الزاهد من لا يملكه شيء وهي أجود في المعنى . ( 2 ) في [ ب ] متقطع . ( 3 ) في [ ب ] عليه . ( 4 ) في [ ب ] متطلع .