محمد بن علي الشوكاني

350

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

قويّ التدبير عالي الهمة منقادا إلى الخير مائلا إلى أهل العلم محبا للعدل منصفا للمظلوم سيوسا حازما مطّلعا على أحوال رعيّته باحثا عن سيرة عمّاله فيهم لا تخفى عليه خافية من الأحوال ، له عيون يوصلون إليه ذلك وله هيبة شديدة في قلوب خواصّه لا يفعلون شيئا إلا وهم يعلمون أنه سينقل إليه ، وبهذا السبب اندفعت كثير من المظالم وكان يدفع عن الرعايا ما ينوبهم من البغاة الذين يخرجون في الصورة على الخليفة وفي الحقيقة لإهلاك الرعية فكان تارة يتألفهم بالعطاء وتارة يرسل طائفة من أجناده تحول بينهم وبين الرعية . وعظم سلطانه في اليمن وبعد صيته واشتهر ذكره وقصده أهل العلم والأدب من الجهات البعيدة لمزيد إكرامه لمن كان له فضيلة لا سيما غرباء الديار ، وكان مشتغلا بالعلم بعد دخوله في الخلافة شغلة كبيرة لا يبرح إذا خلا ناظرا في كتاب من الكتب ، وقرأ على جماعة من العلماء ، وكان إذا حدث حادث من بغي باغ أو خروج خارج عن الطاعة أهمّه ذلك وأقلقه ، ولا يزال في تدبير دفعه حتى يدفعه وله صدقات وصلات وافرة جارية على كثيرين من [ 145 ] الفقراء والضعفاء والقصّاد والوافدين وفيه محاسن جمّة ، وله سنن حسنة سنّها . وبه اندفعت مفاسد كثيرة كانت موجودة قبل خلافته . والحاصل أنه من أفراد الدهر ومن محاسن اليمن بل الزمن ، ولم يزل قاهرا لأضداده قامعا لحسّاده وأنداده ، حافظا لأطراف مملكته بقوة صولية وشدّة شكيمته لا يطمع فيه طامع ولا ينجع فيه خدع خادع ، بل يتصرف بالأمور حسب اختياره ويتفرد بتدبير المهمات وليس لوزرائه معه كلام بل يعملون ما يأمرهم به ولا يستطيعون أن يلبسوا عليه شيئا من أمر المملكة أو يخادعونه في قضية من القضايا ، وكان له نقّادة كليّة في الرجال وخبرة كاملة بأبناء دهره ، وإذا التبس عليه حال شخص منهم امتحنه بما يليق به حتى يعرف حقيقة حاله ، وله قدرة كاملة على هتك ستر من يتظاهر بالزهد والعفاف والانقباض عن الدنيا في ظاهر الأمر لا في الواقع ، فإنه يدخل عليه من مداخل دقيقة بجودة فطنته وقوة فكرته ، فيتضح له أمره ويحيط به خبرا ، وله من هذا القبيل عجائب وغرائب وما زال على الحال الجميل حتى توفاه اللّه تعالى في شهر رجب سنة