محمد بن علي الشوكاني
242
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
بصنعاء وبقي أياما طائلة ثم خرج خفية وهيأ اللّه له أسباب ذلك فلم يشعر به أحد وفيه من الشّجاعة والإقدام في المعارك ما يبهر العقول فإنه وحده يقوم مقام الجيش الكثير ، وقد أحاط به في قاع صنعاء أيام محاصرته لها جماعة من فرسان الأتراك المشهورين وهم عدد واسع يزيد خيلهم على الألف فضلا عن سائر الجيش ولم يكن عنده إذ ذاك إلا أخوه العلامة الحسين الآتي ذكره ونفر يسير فدار القتال عليه وعلى أخيه وما زال يصاولهم طعنا وضربا ويجندل شجعانهم حتى خرج من بينهم سالما هو ومن معه من النفر اليسير . وكم أعدّد من إقدامات هذا السيد الذي تقصر الأقلام عن حصر بعض مناقبه وهو نظير المطهر بن شرف الدين أو أرفع درجة منه في الشجاعة والرياسة وحسن التدبير ، وقد بلغت جيوشه في بعض المواطن نحو ثمانين ألفا ، وله في الكرم يد طولى . قال السيد عامر بن محمد عبد اللّه بن عامر الشهيد في بغية المريد إنه أعطى الشريف طاهرا الإدريسيّ خمسة وعشرين ألف قرش من النقد ، ومن الجواهر والنفائس ما يخرج عن الفكر انتهى . ثم بعد أن أجلى الأتراك من أرض اليمن جميعها اختطّ حصن الدامغ في حدود سنة ( 1040 ) [ أربعين وألف ] « 1 » فعمره عمارة بليغة وأجرى فيه الأنهار وغرس في جوانبه الأشجار وشيّد الديار حتى صار مدينة كبيرة واستقر فيه حتى توفاه اللّه في وقت المغرب من ليلة الأحد ثالث شوال سنة 1048 ثمان وأربعين وألف في خلافة أخيه الإمام المؤيد باللّه محمد بن القاسم ، ورثاه شعراء عصره بمراث جيدة منها قول بعضهم : أدرى الذي ينعى إلينا من نعى * لو كان يدري ما أشاد وأسمعا أتراه يدري أنه ينعى إلى * كل الأنام الدين والدنيا معا [ 97 ] وحياتهم ومعاشهم ورياشهم * ونعيمهم لهذي الخصال الأربعا وكان موته في مدينة الحصين التي عمرها تحت حصنه المتقدّم . وله نظم فمنه ما قاله في أيام اعتقاله يرغّب والده في الصلح بأبيات أولها :
--> ( 1 ) زيادة من [ ب ] .