محمد بن علي الشوكاني
238
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
وإني لأكثر التعجّب من كثرة صدقاته التي منها ما يبلغ المائة القرش وفوقها ودونها . بل أخبرني بعض العلماء أنه اطّلع على ما وهبه لبعض العلماء وكانت جملته ألف قرش دفعة واحدة ، وأخبرني آخر أنه بلغ إعطاؤه لعالم آخر اثنتي عشرة مائة قرش دفعة واحدة ، ناهيك بهذا فإن عطاء الملوك في عصرنا يتقاصر عنه . ويزداد التعجب من استمراره على ذلك كيف قدر على القيام به مع أن غيره ممن بنظره أعمال أكثر من أعماله ومدخولات أوفر من مدخولاته قد لا يقوم ما يتحصّل له بما يستغرقه لخاصة نفسه وأهله وفضلا عن غير ذلك . ثم أذكر قول اللّه تعالى : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [ سبأ : 39 ] وقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم : « أنفق ينفق عليك » « 1 » فأعلم عند ذلك السبب ، ومع هذا فهو في عيش فائق مترفّه في ملبوسه ومأكوله ومسكنه ومركبه وجميع أحواله على حد يقصر عنه أمثاله ، قد جمع اللّه له من نعم الدنيا ما لا يدركه غيره ، وأعطاه من الكمالات ما لا يوجد مجتمعا في سواه فإنه مع إحكامه [ 30 ب ] لما يتعلق به من الأعمال الدّولية معدود من العلماء ، مذكور في الفرسان ، مشهور بحسن الرماية جيّد الخطّ قويّ النثر حسن الأخلاق [ وكان ] « 2 » بشوشا متواضعا سيوسا جليا وقورا ساكنا عفيفا مواظبا على الجمعة والجماعة كثير الأذكار ، محبا للفقراء ولا سيما إذا كانوا من أهل بيت النّبوة راغبا في الخير كافّا لنفسه عن الشر معظّما للشرع ، مجالسه مشتملة على المباحثات العلمية والمفاكهات الأدبية مقرّبا لأهل الفضل مبعدا لأهل البطالة ، حسن المحاضرة قويّ المباحثة جيّد الفهم حسن الإدراك ينشط إذا سئل عن مسألة علمية ، ويبحث ويستخرج بدقيق ذهنه فرائد
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم 4684 وأطرافه رقم ( 5352 ، 7411 ، 7419 ، 7496 ) . ومسلم في صحيحه رقم ( 993 ) . من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « قال اللّه عزّ وجلّ : أنفق أنفق عليك ، وقال : يد اللّه ملأى لا تغيضها نفقة ، سحّاء الليل والنهار . وقال : أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنّه لم يغض ما في يده وكان عرشه على الماء ، وبيده الميزان يخفض ويرفع » . ( 2 ) زيادة من [ أ ]