محمد خليل المرادي

247

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

وإذا انساب في مهمات الأمور ، أظهر ما تكنّه النفوس وما تخفيه الصدور . فيا طالما خاض الظلم . وظلم وظلم . وعجيب أن تعبه في الراحة منوط . وأمره دائر بين المهمل والمنقوط . يأخذ من كل من قصده باليمين إن كان يصدق أو يمين . له تقلب الأحوال في الإدبار والإقبال ، مع أنه فارغ من الأشغال ، لا يقر في أطواره على حال . كريم شحيح ، سقيم صحيح . أشغل من ذات النحيين ، وأفضى من حجام ساباط . دعي في النسب لا يعرف له أم ولا أب ، يستأثر بنقل الأخبار إذا نأت الديار من الدّيار . ينكس الأعلام وله اليد الطولى في النقض والإبرام . أغاليطه كثيرة وسقطاته شهيرة . لم يزل في نحيب ، ودمعه في صبيب . حتى إذا بلغ الغرض جفّ وأعرض . وقال بلغ السّيل الزبى والشوط الانتها . فنهجه قويم ، إلا أن مشيه غير مستقيم . يخطر مثل السرطان . إن شاء الّف بين الأنس والجان . عارف بأنواع المدح والهجاء . وبمواقع معارك الهيجاء . عليّ المقدار ، حديد شبا المنقار . يجمع بين الضدين بل بين الأمرين المختلفين . تطيعه كل ملّة . ويفرق بين المعلول والعلة . فأما الملّة اليهودية فهو حبرها في تفصيل قضاياها ، والمرجع إليه في نسخ أحكامها ومزاياها . وأما المسيحية فله فيها الباع الطويل ، وهو المعين على ما فيها من التغيير والتبديل . وأما المحمدية فعنها يترجم ، وعلى مواردها يدل ويعلم . ضئيل الجسم عالي النفس . يروي حديث العشق عن أنس . يحصي حسنات الأنام ومساويهم . ويحتاج إلى عبيدهم ومواليهم . تراه قيّما غير ذي عوج ، مستكنا غير ذي هوج . يعلّم الناس السّحر . ويظهر عجائبه في البر والبحر . ليس له حاسّة بصيرة ولا ذوقية ولا سمعية . أوله مثل آخره ، وآخره مثل أوله . تتهاداه الركبان من مكان إلى مكان . يطأ النواعم وهو على رأسه قائم . يحفظ من النسيان ويخبر عما يكون وكان . إن قلّم ظفره نشبه ، وإذا انتسب أوصل إلى أول الخلق نسبه . يضرب أسداسا بأخماس وأخماسا بأسداس . فيجعل الثلاثة مئين والمئين آلافا . بل يضاعفها إلى ما فوق ذلك أضعافا . أجرأ من ليث ، مع أن الشعرة لا تدعه يذهب إلى حيث ، خدم وخدم حتى صار أشهر من نار على علم . يجمع ما بين المشرقين في خطوة ، وله في قيد كل شبر كبوة . ومن العجب أنه ينطق بالضاد على بكمه ، ويمد المدود بفمه . فإذا ذوى عوده وافت سعوده . وإذا عب أتى بما أحب . وإذا خاض للبحر لجه ، أقام أقوى دليل وأقوم حجه . فيجعل الحديث الضعيف مسلسلا ، والمطلق مقيدا ، والعجز صدرا ، والكامل شطرا ، والمفهوم محسوسا ، والرئيس مرءوسا . وله أطوار منها اللبيب يحار ، منها ما عنه اشتهر ، في البدر والحضر ، أنه يدع الصافي ويكرع الكدر . ومنها أن له النهي والأمر . مع أنه لم يزل في قبضة الأسر والقهر . ومنها أنه كسيح ، إلا أنه يسعى سعي الصحيح . ومنها أنه شديد البطش ، آثاره في الأرض ولدى العرش . على أنه شخت لفلقة ، لا يحتمل على رأسه دقّة .