محمد خليل المرادي
159
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
مقنع . وأقل ما رأيته منك للقلب مؤلم وموجع . فلا خير فيمن غيّر البعد قلبه * ولا في وداد غيّرته العوامل ولقد أكثرت في الإلحاح والطلب ، وأزعجت نفسك غاية الإزعاج وأتعبتها غاية التعب ، وحمّلتها ما لا تطيق ، وأوقعتها في أشد الضيق . فإذا كان هذا الأمر سريع الفرج فلا يكن في صدرك حرج : وخفّض عليك فإنّ الأمور * بكفّ الإله مقاديرها شعر : غصص الحياة كثيرة ولقد * تنسي الحوادث بعضها بعضا ولقد بلغنا من بعض الأحباب : أنك أكثرت من الملامة والعتاب . فسبحان اللّه ما هذا القلق والاضطراب . كأنما تقطعت العلائق والأسباب . أم هل سمعت أنّها ضاقت بنا المذاهب ؟ أم قصّرت يدنا درك هاتيك المطالب ؟ أم أخبرت أننا على جناح سفر ؟ أم جحدنا حقا في قبلنا اشتهر ؟ أم عرفنا بالمطل والإفلاس ؟ أم اشتهرنا بأكل أموال الناس ؟ وذكرت بأن أباك وبخك على صحبتنا لهذا الأمر الخطير ، وعيّرك بمودّتنا غاية التعيير . كأنه ظن أننا انتسبنا إليك لتواسينا بمالك . أما علم أننا بفضل اللّه غنيون عن ذلك ، وقد اعتذرت عن ذلك بأعذار لا تقبل . بناؤها أوهى من بيت العنكبوت . لا يستقر لها حقيقة ولا ثبوت . ولكن لما رأيتك ألححت غاية الإلحاح في الطلب ، وأبديت ما كمن من الغضب . وأظهرت من النفرة ما فيه نهاية العجب . وقطعت للمودة كل سبب . ورأيت أن تركنا أولى وأنسب . فلذلك اقتحمت هذه الأخطار ، وتعللت بنسج الأعذار ، لأنظر انتهاء هذا الأمر . وأطلع على مكنون هذا السر ، وأتحقق حقيقة صحبتك . وأنتهي إلى نهاية مودتك ، فإن في هذا الباب تذكرة لأولي الألباب . وفي التتبع والاستحضار تبصرة لأولي الأبصار : الشيء يظهر في الوجود بضده * لولا الحصى لم يبد فضل الجوهر غيره : ألم تر أن العقل زين لأهله * وأنّ تمام العقل حسن التجارب وأن النقود ما كمن للوجود . وتنقد الرجال ، وتترجم عن حقيقة الحال . وتفرّق بين الصويحب والصاحب . وتبين الصادق في محبته من الكاذب . كما قال من جاء بالمحجّة البيضاء فيمن مدح عنده . هل عاملته بالصفراء والبيضاء ؟ هذا والمرجو عدم المؤاخذة بما نطق به لسان اليراع . وأودعه في سطور الطروس على أكمل إبداع . وإن أخطأنا فالصفح من جنابكم مأمول . والعذر عند أمثالكم مقبول . والسلام . فأجابه عنها بقوله :