محمد خليل المرادي

147

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

يوم يحصل نادرة . وكل ساعة يظفر بقاعدة حتى صار في الكمال عين الكمال وغرة الليالي . ودخل حلب مرارا ، ويقال إنه اجتمع بابن النحاس الشاعر الماهر واللّه أعلم . ولما كمل مرامه ، وحصل مقصوده ، عاد راجعا إلى وطنه . فنشر من الفضل كل مطوي ، وأظهر من أسرار العلم كل خفي . وكان له شعر رقيق النظام ، مليح الانسجام . ونثر ألطف من مغازلة الآرام . ولطائف مشهورة بين الأنام . ومن لطائفه أنه سئل في مجلس عن مولده فقال : إن تاريخه نقل في ألف وثمانين . فضحك الحاضرون . فقال واحد منهم : وأنا كان مولدي في عام ألف وإحدى وثمانين . فقال : إذن أنت أنقل مني . وكان بخيلا بالفضائل التي عنده لا يضعها في فاتر الهمة ، لما قاسى في تحصيلها من المشاق والتعب . فكان يفر من طالبه إلى البر فربما لحقه إلى البيداء . وكان عارفا بالزّيج والأسطرلاب والهيئة ، خبيرا بالحساب والمنطق والعربية ، محبا للنكت . فكان عنده منها النادر والعجيب واللطيف والغريب . وترجمه محمد أمين الموصلي فقال : لما أردت صفاته فمدحته * هانت علي صفات جالينوسا آيات موسى فيه قد جمعت كما * أوتي بنان يديه آية عيسى هذا الهمام فارس عصابة الأدب . وسابق حلبة أفاضل العجم والعرب . أبقراط الحكمة له غلام . وأفلاطون الحكمة له من جملة الخدام . أبطل ذكر بطليموس بعجائب آثاره ، ودك طور ابن سينا لما تجلى بسنا أنواره . ما الفارابي إلا رشحة من هذا المنهل . ولا الأبهري من هذا البحر إلا جدول . أذهب تعفن أخلاط الجهالة بمعاجين علمه . وأصلح مزاج الفضل والأدب بأخلاط فهمه . وأدب حميا الإيضاح بعروق جسم المعضلات . وأبرأ خرائد المسائل من أمراض الإشكالات . ودبّر الأدب بعد ما شاخ بالمرطب ليبس مزاجه . واسترجع العلم بعد ما أشرف على الممات بإصلاح فساده وعلاجه . ومن بلاغته قوله ، وبعث به إلى علي أفندي العمري حين عاد إليه الإفتاء ، فقال من قصيدة : حمدا لمولى بعين اللطف مذ نظرا * إلى العباد أزال الضّر والضررا فأصبح الكون طلق البشر منشرحا * صدرا وباليسر والإقبال قد سفرا وبالمنى والأمانيّ الزمان أتى * والدّهر ممّا جناه جاء معتذرا عناية نزلت في الأرض فاعتدلت * أوقاتها فخلت من مفسد غدرا أطيارها صدحت غدرانها طفحت * رياحها نفحت تهدي شذا عطرا ومنها : كما حمى كرما عرض العباد بمن * يحيي بفصل خطاب جدّه عمرا