محمد خليل المرادي
122
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
وأكبتهم . ووقعوا في حيص بيص . وألجموا بلجام الإلزام . فمن جملة مناظرتهم معه في ألوهية عيسى أن قال كبيرهم : يا محمديّ إن حقيقة عيسى امتزجت مع حقيقة الإله فصارتا حقيقة واحدة . قال فقلت له : لا يخلو الأمر فيهما قبل امتزاجهما إما أن تكونا قديمتين أو حادثتين ، أو إحداهما قديمة والأخرى حادثة . وكل الاحتمالات باطلة . فالامتزاج على كل الاحتمالات باطل . أما على الأول فإن الامتزاج مفض للحدوث قطعا لأنه تركيب بعد إفراد ، وكل تركيب كذلك لا محالة حادث ، والحادث لا يصلح للألوهية . وأما الثاني فظاهر البطلان . وأما الثالث بوجهيه فباطل أيضا لأن القديمة منهما بعد الامتزاج يلزم حدوثها ، والحادثة منهما بعده يلزم قدمها فيؤدي إلى قلب الحقائق ، وقلبها محال . ويلزم أيضا اجتماع الضدين وهو باطل باتفاق العقول . ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلّوا هذا الطريق ، قال كبيرهم : عقولنا لا تصل لهذا الأمر الدقيق . فقلت له : هذا عندنا من علوم أهل البداية لا من علوم أهل النهاية . فبهت الذي كفر وعبس واكفهر . ثم قلت لكبيرهم : باللّه عليك أعيسى كان يعبد الصليب ؟ قال : لا وإنما ظهر الصليب بعد قتله - على زعمهم - ونحن نعبد شبيه الإله . فقلت له : باللّه عليك اللّه شبيه ؟ قال : لا . فقلت له : يجب عليكم حرق هذه الصلبان بالزفت والقطران . فاستشاط غيظا وقال لي : كنت أوقعك في المهالك وأجعلك عبرة . لكن اللّه أمرنا بحب الأعداء . فقلت له : لكنّ اللّه أمرنا ببغض الأعداء . فقال لي : إذا شريعتنا كاملة . فقلت له على طريقة الاستهزاء : شريعتكم كاملة لأنها تعبد الأصنام والصلبان ، وشريعتنا ناقصة لأنها تعبد اللّه وحده لا شريك له . فاشتدّ غضبه حتى كاد أن يبطش بي . ولكن اللّه سلم لمزيد اللطف بي . ثم إن كبيرهم قال لي : يا محمدي إني رأيت في كتبكم الحديثية أن نبيكم انشق له القمر نصفين ، فدخل نصفه من كم ونصفه من الكم الآخر وخرج تاما من جيب صدره ، ومساحة البدر مثل الدنيا ثلاث مرات وثلث وهي ثلاثمائة وثلاث وثلاثون سنة وثلث ، فما هذه الخرافات ؟ فقلت له : أما ورد أن إبليس جاء لسيدنا إدريس وهو يخيط بالإبرة وبيده قشرة بيضة وقال له أيقدر ربك أن يجعل الدنيا في قشرة هذه البيضة ؟ فقال لي : نعم ورد ذلك فقلت له : كيف يقدر ؟ فقال : إما أن يكبّر القشرة أو يصغر الدنيا . فقلت له : سبحان اللّه تحلّونه عاما وتحرمونه عاما ، وإذا سلّمت هذا فلم لا تسلمه لنبينا ؟ فغص بريقه . واصفر وعبس وتولى فقتل كيف قدّر . وهذا الجواب مني من باب إرخاء العنان للإلزام . وإلا فدخول نصفي البدر في الكمين باطل عند جميع المحدثين الأعلام . لكن كبيرهم لا يعرف اصطلاح علمائنا ذوي المقام العالي . فلو أجبته ببطلانه لقال لي رأيته في كتبكم فلا يصغي لمقالي . فلذلك دافعته بالبرهان القطعي العقلي