محمد خليل المرادي
123
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
لأنه لا يمتثل بعد ما رآه للدليل النقلي . ثم إن كبيرهم في ميدان البحث أنكر نبوة نبينا السيد الكامل . وقال إنه عندنا ملك عادل . فقلت له : ما المانع من نبوته ؟ فقال : نحن لا نقول بها وإنما نقول بشدة صولته . فقلت له : أليس النبي الذي أتى بالمعجزات ، وأخبر بالمغيبات ؟ فقال كبيرهم : أي معجزة أتى بها وأي مغيبات أخبر بها ؟ فسردت له بعض المعجزات وأعظمها القرآن ، وذكرت له بعض المغيبات . فقال لي : رأيت البخاري من علمائكم ذكر بعضها . ثم قال لي إنما علّمه ذلك الغلام ، يشير لقوله تعالى : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ « 1 » . فقلت له : باللّه عليك لسان ذلك الغلام ما ذا ؟ قال : أعجمي . فقلت له : باللّه عليك لسان نبينا ما ذا ؟ قال : عربي . قلت له : باللّه عليك نبيّنا يقرأ ويكتب أم أمي ؟ قال : أمي لا يقرأ ولا يكتب . فقلت له : باللّه عليك هل سمعت عربيا يتعلم من عجمي ؟ قال : لا . فأفحم في الجواب وانقطع عن الخطاب . ثم قال لي : كيف يقول قرآنكم : يا أُخْتَ هارُونَ « 2 » وبينه وبينها ألف من السنين ؟ فقلت له : أنت أعجمي لا تعرف لغة العرب كيف مبناها . فقال لي : وكيف ذلك ؟ فقلت له : يطلق الأخ في لغتهم على الأخ النسبي وعلى الأخ الوصفي ، والمراد هنا الثاني . ومعنى الآية : يا أيتها المتّصفة عندنا بالعفّة والديانة والعبودية مثل هارون الموصوف بتلك الصفات الكاملة ، وهذا المعنى في لسان العرب شائع ، وفي مجاراتهم ومجاري أساليبهم ذائع . فوقف حمار الشيخ في الطين . ولما رآني صغير السن إذ ذاك نحو تسع عشرة سنة قال لي : تصلح أن تكون مثل ولد ولدي فمن أين جاءتك هذه المعرفة التامة ؟ فقلت له : جميع ما سألتني عنه هو من علوم البداية ، ولو خضت معي في مقام النهاية لأسمعتك ما يصم أذنيك . وفي هذا القدر كفاية . فترك المناظرة ورجع القهقرى . وشاع صيتي في مالطة بين الرهبان والكبراء . وكنت إذا مررت في السوق يحترموني . وما خدمت كافرا قط . وكان سبب خلاصي رؤيا مبشرة . من يومها ركبت سفينة النجاة متوجها لإسكندرية ثم لمصر القاهرة ثم سافرت للحجاز مرارا . ودخلت اليمن وعمان والبحرين ، والبصرة وحلب ودمشق . وتوجّهت للروم . ثم ألقيت عصا التسيار في بيت المقدس العطير الأطوار . وجاءتني الفتيا وأنا لها كاره . وأنشد قول من قال : إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته * على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حدّ السيف من أن تضيمه * إذا لم يكن عن ساحة السيف مزحل وتمثّلت بيتي امرئ القيس وهما : « بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه » . إلخ . ولما وصلت للروم باب المراد ، تمتّعت بتلك المهاد . متوّجا بتاج فتوى الحنفية إلى القدس الشريفة
--> ( 1 ) سورة النحل ، الآية : 103 . ( 2 ) سورة مريم ، الآية : 28 .