محمد خليل المرادي
121
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
دونت لبلغت مجلدات . وكان يجيزهم على ذلك الجوائز السنية . وكانت أوقاته مصروفة في أنواع القربات ، من تلاوة قرآن ، واشتغال بالصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، أو رفع ظلامة عن مظلوم ، أو تنفيس كربة عن مكروب . وبالجملة فهو أحسن من أدركناه من ولاة دمشق وأكملهم رأيا وتدبيرا . ولم يزل على أحسن حال وأكمل سيرة حتى توفي بدمشق وهو وال عليها . وكانت وفاته قبيل طلوع شمس يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى سنة سبع وتسعين ومائة وألف . وتمرض أياما قلائل . واجتمعت الأعيان والرؤساء بداره التي ابتناها لصيق المدرسة القجماسية ، جوار سوقه المقدم ذكره . فغسل بها وخرجوا بجنازته على السوق الجديد حتى وصلوا به إلى الجامع الأموي . فوضعت تجاه ضريح سيدنا يحيى ، وتقدّم للصلاة عليه المولى أسعد أفندي الصديقي المفتي . ثم حمل بمجمع عظيم لم يتخلف عنه أحد من أهل دمشق من الرجال والنساء . وخرجوا بالجنازة على سوق جقمق « 1 » ودفن بتربة الباب الصغير ، شمالي ضريح سيدنا بلال الصحابي الجليل « 2 » . وعمل على قبره تحجير لطيف ، وكثر الأسف عليه وجرت لذلك العبرة . رحمه اللّه تعالى وجعل في الفراديس العلية مقرّه . محمد الطيب المالكي التافلّاتي - 1191 ه محمد بن محمد الطيب المالكي الحنفي التافلاتي المغربي مفتي القدس الشريف ، علامة العصر ، الفائق على أقرانه من كبير وصغير . وله الفضل الباهر . وكان في الأدب الفرد الكامل . له الشعر الحسن مع البداهة في ذلك وسرعة نظمه . وذكاؤه يشق دياجر المشكلات . ولد بالمغرب الأقصى وحفظ القرآن على طريق الإمام الداني وهو ابن ثمان سنين . ثم اشتغل في حفظ المتون على والده . وكان والده متوسطا في العلم بين أماجده . وقرأ عليه الأجرومية . وعلى الشيخ محمد السّعدي الجزائري السنوسية ومنظومة في العبادات مختصرة في المسائل الفقهية ، ودرّس السنوسية للطلاب قبل أوان الاحتلام . ورحل من بلاده في البر إلى طرابلس الغرب وما وجبت عليه صلاة ولا صيام . ومن طرابلس ركب البحر إلى الجامع الأزهر . فطلب العلم بمصر سنتين وثمانية اشهر . وأخذ عن شيوخه الآتي ذكرهم . ثم سافر لزيارة والدته في البحر . فأسره الفرنج وذهبوا به إلى مالطة مركز الكفر . ثم نجاه اللّه تعالى بعد سنتين وأيام . وناظرته رهبان النصارى مناظرة واسعة وكان فيهم راهب له دراية بالمسائل المنطقية والعربية . ويزعم أن همّته بارعة . وكانت مدة المناظرة نحو ثمانية أيام . فأخرسهم اللّه
--> ( 1 ) مدحت باشا اليوم . ( 2 ) قبره المذكور قائم إلى اليوم على يمين الداخل لزيارة بلال رضي اللّه عنه ، على الطريق العام ، وعليه قبة تضم عددا من آل العظم منهم فوزي العظم والد خالد العظم .