محمد خليل المرادي
44
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
خفيات ما رقّ عن الأفهام . وصيّر المجهول معلوما . وقد حاز تاريخي هذا كمال الفخر ، حيث احتوى على مثل هذا الإمام الذي أنجبه الدّهر ، وجاد به العصر ، وهو أعظم من ترجمته علما وولاية . وزهدا وشهرة ودراية . مرض رضي اللّه عنه في السادس عشر من شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف ، وانتقل بالوفاة عصر يوم الأحد الرابع والعشرين من الشهر المذكور ، وجهّز يوم الاثنين الخامس والعشرين من الشهر . وصلّى عليه في داره ، ودفن بالقبّة التي أنشأها في أواخر سنة ستّ وعشرين ومائة وألف . وغلقت البلد يوم موته ، وانتشرت الناس في جبل الصالحيّة لكون البيت امتلأ وغصّ بالخلق . وبنى حفيده الشيخ مصطفى النابلسي إلى جانب ضريحه جامعا حسنا بخطبة « 1 » . والآن يتبرّك به ويزار رسميّا في صبيحة يوم السبت . رضي اللّه عنه . وقد صنّف ابن سبطه صاحبنا العالم كمال الدّين محمّد الغزّيّ العامري في ترجمته كتابا مستقلّا سمّاه الورد القدسيّ والوارد الأنسيّ في ترجمة العارف عبد الغني النابلسيّ . فمن أراد الزيادة على ما ذكرناه فعليه به . فإنّه جامع للعجب العجاب من ترجمته قدّس اللّه سرّه . عبد الغني بن رضوان - 1173 ه عبد الغني بن رضوان الحنفي الصيداوي مفتي الحنفيّة بها ومحقّقها . الشيخ العالم العلّامة الكامل الصالح . كان متضلّعا من العلوم وله يد طولى فيها ، ويحبّ أهل اللّه من المجاذيب ، وفضله أشهر من أن يذكر . وبالجملة فقد كان خاتمة البلغاء والعلماء بصيدا ولم يخلفه شبه له . ولد بها في سنة إحدى ومائة وألف ونشأ بها وحفظ القرآن وكنز الدقائق وألفيّة ابن مالك . وقدم دمشق واشتغل بها في العلوم على جماعة منهم الشيخ إلياس الكردي نزيلها ، والشيخ أبو المواهب الحنبليّ ، وولده الشيخ عبد الجليل ، والشيخ عثمان الشمعة . وأخذ الحديث عن الشيخ يونس المصريّ مدرّس قبّة النسر بالجامع الأمويّ . ومكث بدمشق ثلاث سنوات ثم عاد إلى صيدا وارتحل منها إلى مصر ومكث فيها إحدى عشرة سنة ، وهو مشتغل بالعلوم ليلا ونهارا . وأخذ بها عن جماعة كالشيخ علي العقدي ، والشيخ أحمد الملوّي ، والشيخ السيّد علي الإسكندري ، ومنصور المنوفي ، وعبد الرؤوف البشبيشي ، قرأ عليه البيضاوي في التفسير ، وكان مشاركا في القراءة له الشيخان العالمان : الشيخ علي كزبر الدمشقيّ والشيخ محمّد همّات الدمشقيّ نزيل قسطنطينية . ثم عاد إلى صيدا وتولّى الإفتاء بها وأحياها بالعلوم ، واشتغل عليه جمّ غفير من أهلها ،
--> ( 1 ) وسّع هذا الجامع مرارا ، وآخرها التوسعة الحديثة الحالية .