محمد خليل المرادي

299

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

من اللّه نعمته ، واشتهر صيته وعلا قدره ونشر ذكره ، لكنه كان يتصدّى للاستطالة في أفعاله وأقواله . فلذلك كانت أقرانه وغيرهم يريدون وقوعه في المهالك ، لكونه كان يعارضهم . ولما توفي الوزير سليمان باشا العظم والي دمشق الشام وأمير الحاج ، وجاء من قبل الدولة الأمر بضبط أمواله ومتروكاته ، نسب المترجم إلى أمور في ذلك الوقت . ففي خلال تلك السنة تولى دمشق حاكما وأميرا للحاج ابن أخيه الوزير أسعد باشا العظم ، وكان أولا حاكما في حماة فأكّد للمترجم فعله المنسوب إليه حين وفاة عمه المذكور ، ولم يره إلا ما يسره . وكان المترجم في ذلك الوقت منتميا إلى أوجاق اليرليّة « 1 » المحلية ، وكان الأوجاق في ذلك الحين قويّ قائمة ، وجيوشه بالفساد متلاطمة ، واليرلية مجتمعون ، عصبة وجموع ، يذل لهم أكبر قرم بالمذلة والخضوع . قد أبادوا أهل العرض ، وانتهكوا الحرمات ، وأباحوا المحرّمات وأتاحوا المفسدات . ولم يزالوا في ازدياد ممّا بهم ، حتى عمّ فسادهم البلاد والعباد . وكانت رؤساؤهم زمرة ضالة . وفئة متمردة . وكلهم ينطقون بلسان واحد ، كأنهم روح في جسم واحد . وصاحب الترجمة يوليهم مكرماته . ويمنحهم إحسانه وإنعاماته ، وهم لبابه وفود قد اتخذوه عضدا ، وجعلوه ركنا وسندا . وأرباب العقول في دمشق في همّ وكدر وخوف وحذر ، كل منهم متحير في أمره ومتخوّف من هذا الحال وعواقب شره ، ووالي دمشق وأمير الحاج أسعد باشا المذكور ناظر لهذه الفعال متحير من تلك الأحوال ، لأن الشقي منهم كان إذ ذاك يجيء إلى حبس السّرايا ويخرج من أراد من المحبوسين ، من غير إذن أحد علنا وقهرا ، وإذا مر الوزير المذكور بهم وهم جالسون لا يلتفتون إليه ولا يقومون له من مجالسهم عند مروره بهم ، بل يتكلمون في حقه بما لا يليق بمسمع منه ، فيحتمل مكارههم ولا يسعه إلا السكوت واستمرارهم ، إلى أن كتب في شأنهم للدولة العلية . فورد الأمر بقتلهم وإبادتهم ، فأخفاه الوزير مدّة ثم بعد ذلك أظهره وشرع في قتلهم وإبادتهم ، وأعطاه اللّه النصر « 2 » وفرّجت عن أهالي دمشق الشدائد ، وأزاح اللّه هذه الظلمات بمصابيح النصر والفتوحات . ثم بعد أشهر قليلة ، كتب الوزير المذكور إلى الدولة العلية بخصوص صاحب الترجمة وما هو عليه ، وأرسل الأوراق التي في حقه مع علي بك كول أحمد باشا ، وكان ذلك بتدبير خليل أفندي الصديقي وأعيان دمشق . ثم صادف أن صاحب الدولة كان حسن باشا الوزير ، وكان يبغض المترجم لكونه لما جاء

--> ( 1 ) كتيبة جنود الانكشارية المحلية . ( 2 ) كان ذلك سنة 1159 ه . حوادث دمشق اليومية للبديري 66 - 72 .