محمد خليل المرادي

194

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

عمر الأرمنازي « 1 » - 1148 ه عمر بن عبد القادر الشافعي الأرمنازي الأصل ، الحلبي المولد المقرئ الفرضي ، العالم العامل الفاضل الكامل . ولد بحلب في سنة خمس ومائة وألف . وكان والده ورعا صالحا وخطيبا وإماما بجامع قسطل الحرامي بحلب . فنشا ولده المترجم وقرأ القرآن على والده ، وقرأ الفقه والنحو وعلم الفرائض على جابر بن أحمد الحوراني ، وعبد اللطيف بن عبد القادر الزوائدي ، وبرع في ذلك . وقرأ علم الميقات على مصطفى بن منصور الطبيب ، وأخذ الحديث عن محمد بن عقيلة المكي حين قدومه إلى حلب ، وأخذ العربية والصرف والمعاني والبيان والأصول على عدة شيوخ . وكان رأسا في كتابة الوثائق الشرعية ، بحيث إن شهود المحاكم عادوه لذلك وراموا منعه مرارا فلم يقدروا ، إلى أن قدم الفاضل الأديب حسين بن أحمد الشهير بالوهبي الرومي قاضيا لحلب ، فوصل إليه وثيقة إبراء بين ذميين ، فلما رآها القاضي قال : ما أبقى هذا الكاتب حيثية للمحكمة . فوجد الكتّاب فرصة ووشوا به إلى القاضي وقالوا : إنه قد سدّ أبواب المحاكم وتعطّل حالنا . فأحضره القاضي وهدّده ، بعد التوبيخ التام ، بقطع أصابعه إن كتب مرة أخرى وثيقة لأحد . فحلف له على ذلك ، ثم قال للقاضي : يا سيدي أرجو من فضلكم أن تأمروا بتحرير تاريخ هذا التنبيه عليّ في السجل المحفوظ . ربما تقفوا على وثيقة مقدمة فيصير معلومكم أنها كتبت قبل أمركم بمنعي ، وإلا فتذهب أصابعي ظلما . فضحك القاضي وأعجبه وأمر له بالجلوس وهشّ له وبش . وقال له : يا شيخ أنت تحرم نفسك وتحرمنا المحصول ، فلو أخذت كثيرا كان أنفع لك . ثم أسر إليه أن اضرب بكلامي الحائط واكتب ما شئت وخذ كثيرا ، ولا عليك من هؤلاء الجهلة ، يعني الكتاب ، فخرج من عنده وامتنع من كتابة الوثائق ولم يغتر بكلام القاضي لأنه كان يتلوّن كالحرباء . ثم إن صاحب الترجمة حفظ القرآن العظيم قبل وفاته بعامين أو ثلاثة ، وحفظ الشاطبية على الأستاذ محمد بن مصطفى البصيري ، ثم شرح الشاطبية شرحا مختصرا أسماه الإشارات العمرية في حل رموز الشاطبية ، لكن أعجلته المنية عن إتمامه وتبييضه ، فبعد وفاته أتمه وبيّضه المتقن عمر بن شاهين ، إمام الرضائية ، وهو شرح لطيف نافع للمبتدئ ولاستحضار المنتهى . وجرت للمترجم محنة عظيمة قبل وفاته ، وكانت سببا لمرضه الذي مات فيه . وذلك أنه لما كان سنة سبع وأربعين بعد المائة ، صار بحلب غلاء وقلّت الأقوات ، فتحركت العامة والرعاع يوما لينهبوا الخبز من الأفران ، فصادفوا خليل المرادي دائرا على الأفران يقبض ثمن الطحين ،

--> ( 1 ) إعلام النبلاء 6 / 455 .