محمد خليل المرادي

68

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

وولديه الأمير مسعود والأمير حسين المترجم . ولمّا وصل إلى قسطنطينية ، وكان السلطان مراد خان في يوم دخوله في إسكدار ، فعند الوصول أمر بحبس فخر الدّين ، وأرسل ولديه إلى سراي الغلطة . وكان ذلك في سنة ثلاث وأربعين وألف . ثم في شوال من السنة المذكورة أمر السلطان المذكور وزيره بيرام باشا بقتله . فأخذ فخر الدّين من حبس بستانجيباشي إلى تجاه مكان الوحوش المعروف بأرسلان خانة ، ورميت رقبته هناك ، وجثّته ألقوها في المكان المعروف بآت ميدان . ثم عمدوا إلى ولديه المذكورين مسعود والمترجم . أمّا مسعود فلكونه كان إذ ذاك كبيرا خنق وألقي في البحر ، وأمّا المترجم حسين فلكونه صغيرا رشيدا فالحا أبقوه في سراي الغلطة كعادتهم . وعدل عن مذهب أسلافه ، وتبع منهج الإسلام رافضا لخلافه . ثم نقل للسراي الكبيرة التي بها السلطان ، ثم نقل لخاص أوطه . وترقّى في الرتب السلطانية الجوّانية الداخلة في السراي العثمانية حتى صار كتخدا الخزينة السلطانية . وصار له القبول التام في السراي ، حتى عرضت عليه رتبة الوزارة فأباها . ثم خرج كعادتهم برتبة الخواجكانية على القواعد العثمانية . وتولّى عدّة مناصب بمقتضى الرتبة المذكورة . وكان بالمعارف ممّن يشار إليه بالبنان لنظر الملوك عليه ، ولتربيته في ظلالهم وانتشائه من زلالهم ، ورؤية الدولة ومعرفة القوانين ومجاورة الأكابر والعلماء وخدمة السلطان . حتى إنّه ألّف كتابا أسماه التمييز في المحاضرات والأدبيّات ، يدلّ على فضله ونبله . ثم أرسله السلطان محمد خان بن إبراهيم خان إيلجيا من طرفه ، يعني قاصدا إلى سلطان الهند . وهذه الخدمة تتعلّق بالسفير الذي يذهب من طرف دولة أخرى ، ثم إنّه ركب بحرا وهو ذاهب ، وطلع من صيدا . فلمّا سمع بوصوله قريبه الأمير أحمد بن معن حاكم بلادهم إذ ذاك وأقاربه بني شهاب أمراء وادي التيم . وكانت قرابته لهم من جهة النساء ، ذهبوا لاستقباله واجتمعوا به في حاصبيّا ثم عرضوا عليه حكومة بلادهم ، وكلّفوه أن يصير حاكما عليهم ، فقال لهم : كيف بعد خدمة الدولة والسلطان والرتب السامية السلطانية أصير حاكما على بلاد الدروز بعد أن استظلّيت بظلّ الدولة وارتضعت أفاويق نعمتها ، وشملتني ببرّها وهبتها ؟ فهذا أمر محال . وارتحل لمقصوده للديار الهندية ورجع مكرّما متمّما مصالحه . ولم يزل في قسطنطينية ، له الشهرة بين رؤسائها حتى انتقل إلى رحمة مولاه . وكانت وفاته بها سنة تسع ومائة وألف ، عن نيف وسبعين سنة . وأمّا أملاك وعقارات والده وأمواله فإنّ أحمد باشا الكوجك المذكور ، لما قتل والده - كما حرّرناه آنفا - أوهبه السلطان مراد جميع ذلك . وكان عمر التكية خارج باب اللّه بالقرب من