محمد خليل المرادي

324

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

وأقبل المذكور بكليته عليه . وصار له عنده المقام الأعلى والقدر الرفيع الأعلى ، فازداد تطاوله وإقدامه ، وتضاعفت أفعاله وأحكامه ، ورفض بقيّة الأعيان والرؤساء . وكان بينه وبين المولى محمّد بن إبراهيم العماديّ المفتي ما كان ، كما هو دأب الأقران في كلّ أوان . وتعرّض بسبب انتمائه للوزير المذكور للفتيا بدمشق ، وعزل العمادي . ثم إنّ الوزير المذكور عزل العمادي ووجّه الإفتاء للمترجم « 1 » ، وكتب عروضا في حقّ العمادي للدولة العليّة أخبارا ببعض افتراءات على العمادي ، وصيرورة الافتاء للقاري المترجم ، وأن ينفي العمادي . فحين وصلت العروض للدولة نفّذتها للوزير وأرباب الحلّ والعقد ورجال الدولة . وصدر أمر سلطاني بنفي العماديّ ، وتوجيه الإفتاء على القاري المترجم . ولمّا جاء الرسول المعيّن من طرف الدولة في نفي العمادي وتوجيه الإفتاء على القاري ، عقد الوزير ديوانا بمجمع من الأعيان والعلماء والرؤساء ، وقرأ الأمر السلطانيّ عليهم بالإشاعة ، فلمّا انتهت قراءة الأمر السلطاني أمر الوزير بنفي العمادي ، وإجلائه عن دمشق . فقال له العمادي في المجلس ، أما تعفو عنّي ؟ فسيجيء بعد أيّام أمر آخر سلطاني بعودي . وكان للعمادي خبر بأنّه صدر أمر سلطاني بعوده لدياره بعد الأمر السابق . فلم يسمع الوزير كلامه وقال : لا بدّ من نفيك وإجلائك . وكان الوزير شديد الباس ، وله نظر على القاري . فلمّا خرجوا من باب السراي بالعمادي ، قامت أهل دمشق على خدّام الوزير المذكور وضربوهم ، فوصل الخبر إليه فعند ذلك أمر بإبقائه بشرط أن يلزم داره . ثم بعد أيّام قلائل ورد أمر سلطاني بالعفو عن العمادي . واستقام المترجم في الفتوى ستّة أشهر . وبعدها عزل ، وعادت إلى العمادي . ولم تطل مدّته ومات بعد ذلك . وكان المترجم تولّى نيابة محكمة الباب مرارا . وتولّى تولية وتدريس المدرسة الظاهرية . حتى إنّه درّس بها حين أمر والي دمشق بأنّ المدرّسين في كلّ مكان يلازموا الدروس والإقراء . وكان قبله أمر بذلك والي دمشق نصوح « 2 » باشا ، وبعده حسين باشا الخازوقجي كذلك . فصار كلّ من عليه مدرسة يباشر الإقراء أو يجعل وكيلا . واستقام ذلك قليلا ، ثم عاد كلّ لأصله . وكان المترجم حين يقرئ يسرد العبارة ، فإذا صدر منه خلل في بعض المسائل أو غلط لا يقدر أحد على ردّه ، بل كلّهم أفاضل أجلّاء صامتون ناصتون ، لكونه كان يبرّهم بإكرامه ويحسن إليهم ، فلا يريدون تخجيله ، بل يصحّحون له درسه قبل أن يقرأه ، وبعده يمليه هو سردا .

--> ( 1 ) كان ذلك يوم الجمعة 17 ذي القعدة سنة 1130 ه . المصدر السابق / 289 . ( 2 ) انظر الحادثة في يوميّات شاميّة 151 و 281 .