محمد خليل المرادي
300
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
ريان من ماء النعيم إذا بدا * خرّت له زهر النجوم سجودا كالماء جسما غير أنّ فؤاده * أضحى على أهل الهوى جلمودا تزداد من فرط الحياء خدوده * عند استماع تأوّهي توريدا لو أبصر النصّاح فائق حسبه * عذلوا العذول وجانبوا التفنيدا أو لو رآه راهب من بيعة * ألقى الصليب ولازم التوحيدا كم ذا تذكّرني العتيق خدوده * والطرف حاجر والعذار زرودا وإذا بدا متلفّتا من عجبه * بالجيد أذكرني طلاه الغيدا ما الظبي أحسن لفتة من جيده * عند النفار وإن أقام شهودا يحمي اللمى والخدّ عقرب صدغه * عن وارد أو من يروم ورودا قد رقّ منه الخصر حتى خلته * عند اهتزاز قوامه مفقودا ما خلقه إلّا النسيم إذا سرى * بين الرياض وإن أطال صدودا قال الأمين المحبي : قلت : ولولا أنّ قصدي استجلاب الثناء لهذا الفاضل الأديب ، لضننت بهذه الأبيات خوفا من أن لا يراعى حقّها عند أهل التأديب ، ولوددت لو علّقت في جبهة الأسد الكاسر ، أو ضمّت للنيّرات في الفلك العاشر . وقد عارض بها الأبيات المشهورة المنسوبة إلى محمّد الشهير بعبد اللّه ، وهي قوله : غصبوا الصباح فقسّموه خدودا * وتناهبوا قضب الأراك قدودا وتضافروا بضفائر أبدت لنا * ضوء النهار بليلها معقودا صاغوا الثغور من الأقاح وبينها * ماء الحياة قد اغتدى مورودا ورأوا حصى الياقوت دون نحورهم * فتقلّدوا شهب النجوم عقودا واستودعوا حدق المها أجفانهم * فسموا بهنّ ضراغما وأسودا لم يكفهم خدّ الأسنّة والقنا * حتى استعاروا أعينا ونهودا روي مسندا إلى أبي عمر بن شامل المالقي قال : لقيت يوما الشيخ الخطير أبا محمّد ابن المالقي ، وكان رجلا صالحا مجاب الدعوة ، فقال لي : أنشدني ، فأنشدته الأبيات المنسوبات إلى محمّد الشهير بعبد اللّه ، وهي هذه المذكورة . قال : فلمّا أتممتها صاح الشيخ وأغمي عليه وتصبّب عرقا ، ثم أفاق بعد ساعة وقال : يا بني اعذرني . فشيئان يقهرانني ولا أملك عندهما نفسي : النظر إلى الوجه الحسن والشعر المطبوع . وبيت النهود ممّا يكثر السؤال عنه . وقد رأيت في شعر ابن عمّار الأندلسيّ ما هو مثله ،