محمد خليل المرادي

266

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

الشيخ يحيى الشاوي المغربي . وبرع وساد ودرّس في الجامع الأمويّ في فنون من العلم . وعكف عليه الطلبة للاستفادة . وكان فصيحا ذكيّا . ومن محاسنه أنّه كانت له منقبة عجيبة ماتت بموته ، وهي أنّه كان إذا حضر في محضر فيه أحد من أهل العلم ذكر في التفسير مبحثا من تفسير البيضاوي ، أو تفسير الزمخشري ، أو مبحثا في الفقه ، أو في المعاني والبيان ، أو في معنى بيت شعر . فينتشر البحث ويستفيد غالب الحاضرين ممّن يكون من طلبة العلم ، أو يكون له فهم . وذلك مع الأدب والإنصاف والتواضع منه ، ويسلم المجلس من لغو الكلام والغيبة ، ويحمده على ذلك أهل الديانة من الحاضرين ، وينقبض منه من كان بخلاف ذلك . فتنبعث همم غالب الحاضرين من أهل العلم على مراجعة تلك المسألة التي ألقاها ، والمسائل التي جرّها البحث في كتب العلم . فمن فوائده ، أنّ من العطف نوعا يسمّى : العطف التلقيني ، وهو أن تعطف جملة على جملة . ويختلف قائلهما ، ويكون المتكلّم بالجملة الثانية مذعنا لمضمون الجملة الأولى . كقوله تعالى : قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ، قالَ : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي « 1 » ، وذكره الشيخ خالد في باب العطف من شرح التوضيح . ومن فوائده : أنّ الإكبار من أسماء الحيض . وقد ذكر بعض المفسّرين في : « أكبرنه » من قوله تعالى في سورة يوسف : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ . . . « 2 » ، أنّه بمعنى حضن ، على الحذف والإيصال ، أي : أكبرن منه . وفوائد المترجم كثيرة . ولولا الإطالة لذكرت منها شيئا كثيرا . وكان ديّنا مواظبا على حضور الجماعات بالجامع الأموي ، وعيادة المرضى ، وشهود الجنائز . وترجمه الأديب السيّد الأمين المحبّي في نفحته « 3 » ، وذكر له من شعره ، وقال في وصفه : من الزمرة الأولى من أخلّائي ، ومن به أشرق في إبان رونقه وجه اجتلائي . فاستهلّيت أنا وإيّاه العيش بدريّا ، وهززت غصن اللذات غضّا طريّا . في زمان عيون سعوده روان ، والآمال فيه دوان ، ما بين بكر وعوان . لم تبعد فيه أرضي عن أرضه . ولم نأل فيه من القيام بنفل الودّ وفرضه . ولم يتنسّم أحدنا أخا إلّا هبّ الآخر معه رخا . وهو ممّن خلصت ذاته خلوص الذهب اللهب . وتميّز بما أحرزته من نسب شريف وحسب . ونشب تليد ومكتسب . شمّر في الطلب عن ساق . وأبدى بدائع حسن واتّساق . وله براعة تعرب عن لسان ذليق . وذهن متوقّد يزيّنه وجه طليق . وفضل يستغني عن المدح ، وشعر يعلّم الحمامة الصدح . قد

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 124 . ( 2 ) سورة يوسف ، الآية : 31 . ( 3 ) 1 / 496 .