محمد خليل المرادي

126

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

أحسن وأشفق من الوالد والوالدة . وفي سنة سبعين ومائة وألف عزل عن حكومة دمشق وإمارة الحاج الوزير أسعد باشا ابن العظم ، وولي مكانه الوزير حسين باشا مكّي الغزّي . فرأى المترجم بوادر الفتن وبوادي الفساد من الأشرار . فترجّى حسين باشا المذكور وترامى عليه أن يعزله من منصبه آغوية الوجاق المذكور ، لأنّه أوّلا قاسى منهم خطرا بليغا . وكان لا يألف النوم خوفا من رؤسائهم المفسدين أن يغتنموه في الليل قتلا أو نهبا . وكان ذلك سببا لأمراضه وعلله . فإنّه رحمه اللّه كانت الأمراض السودائية وغيرها دائما تعتريه . ولمّا رأى ما رأى عند عزل أسعد باشا ، تحقّق القتل به وإهانته عند تحريك الفتن وظهور الأشقياء أهل البغي والشرور . فاستعفى من المنصب المذكور برضاه وحسن اختياره ، وأنّه بسبب أمراضه عجز عن ذلك والقيام بهذه الخدمة . فألحّوا عليه الأعيان أن يبقى في المنصب ، وأن لا يرتضي العزل فما قبل ، وما أمكن حتى كتب حسين باشا المذكور للدولة العليّة بذلك ، وكتب هو أيضا . فعزل وصار مكانه السيّد مصطفى آغا الحموي ، الآتي ذكره في محلّه ، إن شاء اللّه تعالى . وفي محرم سنة إحدى وسبعين ، لما صارت الفتنة بين الينكجرية اليرلية والينكجرية القول . وعظمت بينهم المحاربات والقتال ، كان هو إذ ذاك ساكنا في دار زوج أخته محمّد آغا الكمش الرومي نزيل دمشق ، الكائنة في القرب من البوابجية ، بالقرب من باب القلعة . فجاء طائفة القول ليلا ونقبوا جدار الحجرة التي في الدّار المذكورة ، من جهة باب القلعة ، ودخلوا الدار ونهبوا أمواله وحوائجه ، وأخذوا غالب متاعه . فلمّا أخبرت طائفة اليرلية بذلك جاءوا عليه وصار بينهم القتال والمحاربة . ثم إنّ اليرلية أخرجوهم من الدار واستخلصوا بعض الأمتعة . وكانت إذ ذاك الأوقات مشتعلة بنيران الفتن والبغي . ولم ير في عصر من الأعصار مثلها . وكان صاحب الترجمة وهّاما عاقلا يحسب الأمور البعيدة ، فزادت عليه الأمراض غبّ واقعة الدّار المذكورة ونهب متاعه وماله ، وزادت عليه الأسقام ، وابتلي بداء ورم المعدة ، فمات فجأة في جمادى الثانية سنة إحدى وسبعين ومائة وألف . وشاع في دمشق أنّه هو أودى بنفسه للهلاك . فمن قائل إنّه شنق نفسه بيده ، ومن قائل إنّه أدخل عليه سمّ . وحين شاع موته ، أرسل حسين باشا من طرفه كتخدا البوابين ، وكذلك قاضي البلدة المولى علي ، ختن قاضي العساكر المولى أحمد علمي ، معتمدا من طرفه لأجل الكشف عليه . فوجدوه ميتا من غير سمّ ولا شنق ، بل بأجله . فكتب بذلك حجّة كشف ، ودفعت لورثته . وكان كلّ الذي شاع افتراء وكذبا . ودفن بتربة مرج الدحداح . رحمه اللّه تعالى . درويش الحلواني - 1107 ه درويش بن ناصر الدّين المعروف بالحلواني ، الحنفي البعلي ، ثم الدمشقي الخلوتي الشيخ