محمد خليل المرادي

127

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

العالم العامل الإمام النحرير الأوحد ، كان فقيها فاضلا عارفا متقنا في الحديث وعلم الكلام ، ديّنا ناسكا ليّنا متواضعا . قرأ على جماعة من الشيوخ ، وبهم انتفع . كالشيخ إبراهيم بن منصور الفتال الدمشقي . ولازم الشيخ إسماعيل الحايك المفتي مدّة من الزمان . وانتفع به ، حتى إنّه قال الحائك عنه وشهد بأنّه مفرد عصره وأوانه بالفضل . وقرأ على الشيخ محمد علاء الدّين بن علي الحصكفي الدمشقي ، شارح الملتقى والتنوير ، وغيرهما . وانتفع به ، ورحل للرملة ، واجتمع بمفتيها فقيه الشام ومحدث عصره الشيخ خير الدين بن أحمد الرملي الحنفي . وسمع الحديث عليه وأخذ عنه واجتمع بدمشق بمحدّث العصر الشيخ محمد بن سليمان المغربي الفاسي ، نزيل الحرمين ، وطالع عليه وأخذ عنه . وجمع منسكا في حجّ بيت اللّه الحرام ، ولازم الإفادة والتدريس بالجامع الأموي ، وانتفع به جمّ غفير . وروى عنه جماعة ، منهم : الشيخ محمد بن إبراهيم التدمري الطرابلسي ، نزيل دمشق ، والمولى عبد الرحمن بن أحمد القاري المفتي بدمشق ، والشيخ محمد بن زين الدّين الكفيري الدمشقي ، وغيرهم . ورأيت في بعض المجاميع فائدة منقولة عنه ، وهي : أن من دخل إلى مقام سيّدنا إبراهيم الخليل ، صلوات اللّه عليه وسلامه ، في قرية برزة بدمشق حرّم اللّه جسده على النار . ومن صلّى فيه أربع ركعات خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه . أقول : وفيه ورد أخبار وآثار ، منها : ما ذكره ابن الجوزي في كتابه « الإشارات إلى أماكن الزيارات » ، أخبارا وآثارا كثيرة تدلّ على فضله . حيث قال : وعن أحمد بن سليمان سمعت شيوخنا الدمشقيين يقولون : قديما يذكرون أن الآثار التي بدمشق في برزة عند المسجد الذي يقال له مسجد إبراهيم عليه السلام ، الذي في الجبل عند الشق ، أنّه مكان إبراهيم ، وأنّ الآثار التي فوق الشق بالجبل هي موضع رؤية إبراهيم الكوكب الذي ذكره اللّه تعالى في كتابه العظيم : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي . . . « 1 » ، أنّه كان في ذلك الموضع ، وهو معروف ، فمن قصده وصلّى فيه ودعا أجابه اللّه تعالى في دعائه . فإنّ ذلك الجبل كان فيه لوط ، وجماعة من الأنبياء ، وآثارهم في مواضع في الجبل بالقرب من مسجد إبراهيم . وأدركت الشيوخ يقصدونه ويقيمون فيه ويدعون اللّه تعالى . وهو نافع لقسوة القلب وكثرة الذنوب .

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 76 .