محمد خليل المرادي

81

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

وله كرامات كثيرة وصدقات سرية على طلبة العلم والصالحين ، وكسبه من الحلال الصرف في التجارة مع التزام العقود الصحيحة . حتى إنّه في سنة خمس عشرة ومائة وألف ، كان واليا بدمشق محمد باشا بن كردبيرم ، فأرسل إليه من طرف الدولة العلية أن يضبط بعلبك ، والعائد منها يرسله إلى طرفهم لكونها كانت في يد شيخ الإسلام المولى فيض اللّه مفتي الدولة العثمانية . فحين قتل صارت للخزينة السلطانية العائد منها حتى الحرير وغيره . وكان لما وصل إليه الحرير طرحه على التجار بدمشق . وأرسلوا منه جانبا ، إلى أخ الشيخ أبي المواهب صاحب الترجمة ، وهو الشيخ سليمان . فذهب جماعة إلى عند المترجم ، وترجّوا منه برفع هذه المظلمة عنهم . فأرسل ورقة مع خادمه ابن القيسي إلى الباشا . فلما وصل إليه هدّده ، فهرب من وجهه . فلما ذهب كان حاضرا في مجلس الباشا أحد أعيان جند دمشق ، وهو محمد آغا الترجمان وباش جاويش وغيرهما . فأخبروه بمقام الشيخ وعرّفوه بحاله من النسك والعلم والعبادة والولاية . فلما تحقق ذلك ، وكان مراده أن يأخذ من الشيخ مالا ، لما سمع بخبره من مزيد الثروة أرسل خبرا : لا أحد يتعدّى على التجار . ثم إن التجار وقعوا على الشيخ مرة ثانية . فأرسل ورقة أخرى إلى الباشا ، وذكر أن الرعيّة لا تحمل الظلم ، فإما أن ترفع هذه المظلمة وإما تهاجر من هذه البلدة ، والجمعة لا تنعقد عندكم . وأيضا الحرير للسلطان لا لك . وزاد على ذلك في الورقة . فلما وصلت إليه ترك مراده ، ورفع الرمية بعد ما علم بمقام الشيخ ، وأن الرعية تقوم عليه إذا فعل ذلك . انتهى . وكان المترجم ، رحمه اللّه تعالى ، لا يخاف في اللّه لومة لائم ، ولا يهاب الوزراء ولا غيرهم . وأصيب بولده الشيخ عبد الجليل قبل وفاته بسبع سنوات ، فصبر واحتسب . ثم بولده الشيخ مصطفى ، وكان شابا ، فصبر واحتسب . ولم يزل على حالته الحسنة وطريقته المثلى إلى أن اختار اللّه له الدار الباقية . وكانت وفاته في عصر يوم الأربعاء التاسع والعشرين من شوال سنة ست وعشرين ومائة وألف . ودفن بتربة مرج الدحداح « 1 » ، رضي اللّه عنه ، ونفعنا ببركاته . وسيأتي ذكر ولده عبد الجليل ، وحفيده محمد ، إن شاء اللّه تعالى . ونسبه إلى فصة ، وهي قرية ببعلبك تبعد عن دمشق نحو فرسخ . لأن أحد أجداده كان خطيبا بها . فلهذا اشتهر بذلك . وأجداده كلهم حنابلة .

--> ( 1 ) في الذهبية ، بجوار قبر العارف أيوب الخلوتي - اليوميات / 228 .