محمد خليل المرادي
6
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
السيد محمد بن الأستاذ القطب بهاء الدين محمد أفندي المرادي البخاري الدمشقي النقشبندي ، مفتي السادة الحنفية ، بدمشق المحمية ، لا زال غدق الرحمة حافّا بمرقده الشريف ، وكامل الرضوان محيطا بضريحه المنيف : إني لم أزل منذ أميطت عني التمائم ، ونيطت بي العمائم ، شغفا بمطالعة أخبار الأخيار ، مولعا بجمع آثار الفضلاء من نظام ونثار ، مكبّا على الكتب التاريخية ، منهمكا في جمع الدواوين الإخبارية . تدعوني إلى ذلك غيرة الفضل كل آونة ، ويحثني عليه حمية الأدب ، فتطرد عن عيوني عيون السنّة . فكنت أصرف في عكاظ المطارحات ذلك نقد عمري ، وإخباء درر الآثار في خزائن فكري . علما مني بأن علم التاريخ والأخبار ، ونقل المناقب وحفظ الآثار ، أمر مهمّ عظيم ، وشيء خطره جسيم . طالما صرف فيه المحدّثون أوقاتهم ، وحلّوا بزينته ساعاتهم . وضربوا فيه آباط الإبل للبلاد النائية ، وتحمّلوا في جمعه المشاق للأماكن القاصية . وقد ألّف فيه الكبار من العلماء المؤلفات العديمة المثيل . لأن العمدة في نقل أصول الدين على الجرح والتعديل . وقد ورد فيه ما يحثّ كل طالب على طلبه ، ويحرّض كل راغب على مطالعة كتبه . من ذلك ما قصّه اللّه تعالى على نبيّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، في القرآن العظيم ، والكلام القديم ، من ذكر الرسل والأنبياء ، والسادة النبلاء الأتقياء ، وما وقع لهم مع أممهم ، وما أبدوه من حلمهم وحكمهم . وما ورد عن النّبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلم ، من قوله : « أنزلوا الناس منازلهم » « 1 » . وقوله : « في كل قرن من أمتي سابقون » « 2 » ، رواه الترمذي في جامعه المصون ، وقوله ، صلّى اللّه عليه وسلم : « مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره » « 3 » . رواه الحافظ القاسم الطبراني ، في معجمه الكبير . وكان صلّى اللّه عليه وسلم كثيرا ما يحدّث أصحابه بقصص وأخبار عمّن مضى . ويحمّض « 4 » صلّى اللّه عليه وسلم بذلك حتى لا يعتري الكلام ما في همتهم من المضا . وكلمات السلف والخلف في ذلك أشهر من الشمس والنبراس ، وأكثر من أن تحصى أو تحصر بقياس . من ذلك ما ذكره العلّامة أبو حيّان في وصيّته لأولاده بقوله : وعليكم بمطالعة التواريخ ، فإنها تلقّح عقلا جديدا . وللّه درّ القاضي ناصح الدين الأرجاني حيث يقول : إذا عرف الإنسان أحوال من مضى * توهّمته قد عاش من أول الدهر
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ، وإسناده منقطع . عون المعبود 13 / 131 رقم 4832 . ( 2 ) لم يرد في جامع الترمذي ، وهو في كنز العمال . انظر موسوعة الحديث 5 / 601 . ( 3 ) أخرجه الترمذي وأحمد وآخرون . موسوعة الحديث 9 / 373 . ( 4 ) بمعنى : ينوّع .