محمد الحضيكي

472

طبقات الحضيكي

العلامة علي بن عبد الواحد الفلالي لزوم الظل للشاخص ، وخدمه حتى صار من علية أصحابه وأتباعه ، وحظي عنده الحظوة فزوجه ابنته ، وصار من جملة أهل بيته . وكان مع لزومه له ينتفع بغيره من الأئمة كعالمها الصالح المفتي العلامة المشارك المسن سيدي سعيد قدورة ، أجاز له جميع ما يرويه عن شيوخه ، وكالشيخ سعيد المقري رضي اللّه عنه . هكذا إلى أن مات الشيخ الفلالي ، ومات أكثر أصحاب أبي مهدي في الوباء الواقع في ذلك العهد ، وبقي ينتقل في تلك البلاد بين جبال زواوة وقسمطينة « 1 » وبسكرة ونواحيها . ثم قادته القدرة والإرادة بأزمّة السعادة للحرمين ، وجاور بهما سنين ، وأقبل على نشر العلم وبثه من نحو وتصريف ومنطق وكلام وبيان وأصول ، وتجددت له رغبة في [ 369 ] خدمة / الحديث النبوي ، فأقبل على الرواية والأخذ والسماع ، مشمرا على ساق الجد . فأخذ عن علماء الحرمين وقتئذ كالشيخ القشاشي ، والشيخ زين العابدين الطبري ، والشيخ تاج الدين المالكي ، والشيخ محمد بن علاء الدين البابلي المصري ، حتى استفرغ ما عندهم ، فلم يشف ذلك غليل أوامه ، ولا أبرأ عليل هيامه ، وإنما زاده ذلك نهما في طلبه . فرجع إلى مصر بقصد الأخذ عن علمائها والتبرك بصلحائها ، فاستوطنها أربع أو خمس [ سنين ] أ ، فأكثر الأخذ عن الشيخ الإمام شيخ المشايخ إمام المالكية أبي الحسن علي الأجهوري ، وعن المحقق المسن الشيخ شهاب الدين الخفاجي الحنفي ، وعن الشيخ المسند أبي إسحاق إبراهيم بن ميمون الشافعي ، وعن جملة كثيرة من مشايخ القاهرة . وقيد الكثير ، وقرأ من الأجزاء والأسانيد الغريبة ما صار به فريد وقته في رواية الحديث ، وأعطي القبول التام عند المشايخ وأصحابهم بحيث لا يبخلون عليه بكتاب ، ولا يضجرون منه عند إرادة سماع ، بل كانوا يفرحون به ويرجون لقاءه . ولقد أخبرني أن شيخنا الأجهوري مع أخذ الكبر منه غاية ، وضجره من طنين الذباب في غالب الأوقات ، كان إذا دخل عليه يبتدئه قبل أن يطلب منه السماع ، فيقول له : شنّف الأسماع ؛ علما منه أنه لا يأتي إلا لسماع حديث ، أو رواية غريب . وما دخل على أحد قط من المشايخ إلا بفائدة له وللحاضرين ، ولو قيل : إن مشايخه

--> ( أ ) ت : وستين . ( 1 ) كانت تدعى سيرتة في العهد الفنيقي ، وقد اتخذها ماسينسا عاصمة لمملكته . خربت أثناء ثورة الأمازيغ ، فأعاد قسطنطين بناءها ، فسميت باسمه . ( انظر وصف إفريقيا : 2 / 55 ، الهامش : 15 ) .