محمد الحضيكي
236
طبقات الحضيكي
ويقول رضي اللّه عنه : العالم حقا من يستشكل الواضح ، ويوضح المشكل لسعة علمه وتحقيقه . وكان - رضي اللّه عنه - طويل الحزن كثير الخوف ، ولشدة خوفه يسمع لصدره أنين وهو مستغرق في الذكر ، [ لا يشعر ] أمن معه مع تواضع وحسن خلق ورقة قلب ، رحيما وهيّنا لينا ، يقبل على من لقيه ويتبسم مع حسن كلام ، يتزاحم الأطفال على تقبيل أطرافه ، يوقر الكبير ويتواضع للضعفاء ، وأشفق الناس على الخلق ، ويشفع لهم عند السلطان ، ويصبر على أذاهم ، معظما مهابا في القلوب ، ارتحل إليه الناس وتبركوا به . وكان - رضي اللّه عنه - في آخر عمره يقول : من الغريب النادر في زماننا وجود عالم جمع له علم الباطن والظاهر على أكمل وجه ، ينتفع به في العالمين ، فهو كنز عظيم دنيا ودينا ، فمن وجده فليشد عليه يده لئلا يضيع عن قرب فلا يجد مثله . قال تلميذه « 1 » : كأنه كاشفنا بذلك مشيرا به لنفسه ، فلم يلبث بعد حتى مات ، ولا شك أنه لا يوجد / مثله أبدا . فأما مراتبه في الزهد والورع والدين والتحقيق فمعلومة عند الخلق . بعث إليه السلطان في أخذ غلات مدرسة الولي الحسن أبركان فأبى ، وألحوا عليه فاعتذر . وكان - رضي اللّه عنه - يقول : حقيقة الولي العارف من لو كوشف عن الجنة وحورها ، ما التفت إليها ولا ركن لغيره تعالى . وكان - رضي اللّه عنه - إذا وعظ اقشعرت من وعظه الجلود ، كل من حضره يقول : معي يتكلم ، يعظ كلا بحسب حاله ، جل وعظم في الخوف والمراقبة ، وما رئي قط إلا وشفتاه متحركة بالذكر . وكان - رضي اللّه عنه - يقول : حقيقة العبودية امتثال الأمر والنهي مع كمال الذلة والخضوع . وكان - رضي اللّه عنه - يبغض الاجتماع بأهل الدنيا والنظر إليهم وقربهم . خرج يوما معنا للصحراء فرأى فرسانا بثياب فاخرة على بعد ، فقال : من هؤلاء ؟ قلنا : خواص السلطان ، فتعوذ ورجع لطريق آخر . ولقيهم مرة أخرى ، وما تمكن من الرجوع ، فجعل وجهه للحائط وغطاه حتى جازوا ولم يروه .
--> ( أ ) في ت : لا يشق . ( 1 ) يقصد به : محمد بن عمر بن إبراهيم التلمساني المعروف بالملالي ( كان على قيد الحياة عام 897 ه / 1492 م ) ، ألف في ترجمة السنوسي كتابه : " المواهب القدوسية في المناقب السنوسية " ، منها عدة نسخ مخطوطة بالخزانات المغربية .