محمد الحضيكي
237
طبقات الحضيكي
ولما أراد ختم التفسير عزم على قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين يوما ، فسمع به الوزير وأراد حضور الختم ، فبلغه ذلك ، فقرأ السورة كلها [ خوف ] أحضوره . وطلبه السلطان في الطلوع لإقراء التفسير على العادة فأبى ، فألح عليه فاعتذر بأنه لا يقدر على التكلم هناك لغلبة الحياء ، فأيسوا منه . وإذا سمع بوليمة أبناء أهل الدنيا اختفى له عنها أياما ، فلا يظهر حتى تمر أيامها ، ولا يقبل عطيتهم ، وإذا قبلها أهل بيته وهو غائب تغير كثيرا إذا حضر ، ويقبل من غيرهم ويدعو لهم ، وكانوا يتطارحون عليه مع رفع همته عنهم . أتى إليه ولد السلطان ومعه عبد يقبل يديه ورجليه ، وطلب منه قبوله ، فأبى وتبسم ودعا له ، فلما أبى منه طلب منه التصدق به على الفقراء فأبى . وكان - رضي اللّه عنه - يكره الكتب للأمراء ، فإذا طولب بذلك كتب لهم حياء ، / وعاتبه أخوه التالوتي قال : لا تكتب لهم ، فقال : كلفت به ، وغلبني الحياء ، فقال : لا تستحي من أحد ، فقال : إذا دخل أحد النار بالحياء دخلتها . ومن رفع همته أنه لا يأنس بأحد ولا يتسبب في معرفته . ويقول - رضي اللّه عنه - لو أصبت ما نرى أحدا ولا يراني ، بل أشتغل بنفسي ولا حاجة لي بهم وما يأتيني من قبل الناس . وكان - رضي اللّه عنه - مع ذلك حليما صبورا ، يسمع ما يكره ، ولا يبالي به بل يتبسم ، ولا يحقد على أحد ، ولا ينبس إلا بطيب الكلام لمن يؤذيه حتى يظن أنه صديقه ، وقع له ذلك مع من يدعي أنه أعلم أهل الأرض ينصحه فما بالى به . ولما ألف بعض عقائده أنكره كثير من علماء وقته ، وتكلموا بما لا يليق ، فكثر تغيره بذلك ، ثم رأى في منامه عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - واقفا على رأسه يهدده على الخوف من الناس ، فأصبح وقد زال حزنه وقوي على المنكرين ، فخرسوا من حينئذ ، ثم أقروا بفضله . وكان - رضي اللّه عنه - من أشفق الناس على خلق اللّه . ومر يوما بذئب تجري معه كلاب فحبس وذبح ، فلما رآه ملقى على الأرض بكى ، وقال : لا إله إلا اللّه ، أين الروح التي تجري بها ؟ ويقول رضي اللّه عنه : ينبغي للإنسان أن يرفق في مشيه وينظر أمامه لئلا يقتل دابة في الأرض . ويقول لمن يراه يعاقب دابة : ارفق بها يا مبارك .
--> ( أ ) في س ، ح : خيفة .