عبد الله الفاسي الفهري

5

الإعلام بمن غبر من أهل القرن الحادي عشر

والقاهرة ودمشق وبغداد ، واحتفظت بهذه السمة رغم ما داهمها من هزات سياسية تخللت تاريخها ، فظلت مأوى للعلم ومجمعا للفنون ، يؤمها العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء من كل حدب وصوب . ومع بداية الدولة العلوية شهد جامع القرويين بها ازدهار كثير من العلوم النقلية والعقلية ، على الرغم من صدود . المولى إسماعيل عنها سياسيا حين اتخذ مكناس عاصمة لملكه وشملها برعايته ، وربما نجم هذا عن الموقف الذي تبنته المدينة أول الأمر من بيعة السلطان ، حيث ثارت ضده واتصلت بمعارضيه أحمد بن محرز والخضر غيلان ، وأجمعت على محاربته . ويمدنا كتاب الإعلام بمن غبر ، بصورة واضحة المعالم عن الإقبال الذي حظيت به فاس من لدن طلاب العلم والمعرفة ، يقصدها العديد منهم للتفقه والتعلم على يد علمائها وأساتذتها ، ويتحفنا المؤلف بجملة من أخبارهم وأحوالهم . وإذا كانت فاس هي الحاضرة التي ترعرع فيها المؤلف ، فإن الزاوية الفاسية تشكل المنبع الذي ارتوى من معينه وعب منه أنواع العلوم والمعارف . ومن المعلوم أن الشيخ أبا المحاسن الفاسي لما استقر عزمه في مطلع القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي ، على الانتقال من القصر الكبير للإقامة بمدينة فاس ، اتخذ مسكنا له في أقصى الدرب الجديد من المخفية بعدوة الأندلس ، حيث أسس زاوية فتحها في وجه الواردين عليه ، ثم وضع برنامجا أسبوعيا للقراءة ، جاء في مرآة المحاسن : " ورتب في المسجد كرسيا لقراءة العمدة الحديثية تفقها والرسالة والمختصر بين المغرب والعشاء ، فالحديث في ليلتي الخميس والجمعة ، والفقه في سائر ليالي الأسبوع " « 1 » . في حين أسس أخوه عبد الرحمن بن محمد الفاسي الزاوية « 2 »

--> ( 1 ) مرآة ، 41 . ( 2 ) كانت هذه الزاوية عبارة عن دار في ملك علي البحري الأندلسي ، دفين روضة الأنوار خارج باب الفتوح ، وتهدّمت بعد وفاته سنة 980 ه . وفي سنة 1027 ه . وهبت لعبد الرحمن بن محمد الفاسي الذي بناها زاوية يجتمع فيها أصحابه للصلاة والذكر ، ثم قام بتوسيعها بإضافة بعض الدور المجاورة لها .