يوسف بن يحيى الصنعاني
401
نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر
شاب بعدي ؟ قال : قد نبت الرّبيع على دمنيه « 1 » ، فقلت : إنّا للّه ، ونفسي في سبيل اللّه ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه ، ومددت يد البدار ، إليّ الصّدار ، أريد تمزيقه « 2 » ، فقبض السّواديّ على خصري ، وقال : أنشدك اللّه لا مزّقته ، قلت : هلمّ إلي البيت نصب غداء ، أو إلى السّوق ونشتري شواء ، والسّوق أقرب ، وطعامه أطيب ، فاستفزّته حمة القرم ، وعطفته اللّقم « 3 » ، فطمع ، ولم يدر أنّه وقع ، ثمّ أتينا شوّاء يتقاطر شواؤه عرقا ، وتتسايل جوانبه مرقا ، وقلت له زن لأبي زيد من هذا الشّواء ، ثمّ زن له من تلك الحلوى ، واختر له من تلك الأطباق ، ونضّد عليه ورقّا من الرّقاق ، وشيئا من ماء السّماق « 4 » ، ليأكله أبو زيد هنيّا ، فأتى الشّوّاء بشواه ، ثمّ جلس وجلست ، وما نبس وما نبست ، حتّى استوفيناه ، وقلت لصاحب الحلوى : زن لأبي زيد من اللّوزينج رطلين فهو أجرى في الحلق ، وأمرى في العروق ، ليليّ العمر ، يوميّ النّشور « 5 » ، رقيق الجلد ، كثيف الحشو ، لؤلؤيّ الدّهن ، كوكبيّ اللّون ، يذوب كالصّمغ ، قبل المضغ ، وقعدت ، وجوّد وجوّدت ، حتّى استوفيناه ، ثمّ قلت : يا أبا زيد ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثّلج ، ليقمع هذه الصّارّة ، ويعبأ هذه اللّقم الحارّة « 6 » ، اجلس يا أبا زيد حتّى آتيك بسقّاء ، يحشو بثلجه الماء ، وخرجت وجلست بحيث أراه ولا يراني أنظر ما يصنع ، فلمّا
--> ( 1 ) المراد بالدمنة القبر ، والربيع هنا : النبات ، وكنى بذلك عن موته منذ عهد ليس بالقصير . ( 2 ) البدار : المبادرة والمسارعة ، والصدار : ثوب يلبس مما يلي الجسد ، والمعنى أنه حين سمع بموت أبيه بادر إلى ثوبه ليمزقه ؛ إظهارا للجزع ، وتأكيدا للحيلة بأنه صديق أبيه . ( 3 ) استفزته : استهوته وحركته بشدة ، والحمة في الأصل : أبرة العقرب التي تلسع بها ، ثم حملت على الشدة مطلقا ، والقرم : الشهوة البالغة لأكل اللحم ، واللقم : السرعة في الأكل ، والمعنى أن شدة حبه للطعام وعظيم شوقه إليه أسرعا به إلى موافقتي . ( 4 ) السماق : حب صغير أحمر حامض يعتبر من المشهيات . ( 5 ) اللوزينج : نوع من الحلوى يتخذ من الخبز ، ويسقى بدهن اللوز ، ويحشى بالعسل ، ومعنى كونه ليلى العمر أنه صنع ليلا ، ومعنى كونه نهارى النشر أنه قد ظهر نهارا ، ليكون - بعد مضى هذا الوقت - قد شرب دهنه وعسله . ( 6 ) يشعشع : يخلط ، ومن ثم قيل للخمر : مشعشعة ؛ لأنها تشرب مخلوطة بالماء كثيرا ، قال عمرو بن كلثوم : مشعشعة كأنّ الحصّ فيها * إذا ما الماء خالطها سخينا والصارة : شدة الحر ، والمعنى إننا في حاجة إلى الماء المخلوط بالثلج ، ليرد عنا سطوات الحر ، ويخفف من حدة هذا الأكل في أجوافنا .