يوسف بن يحيى الصنعاني
402
نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر
أبطأت عليه قام السّواديّ إلى حماره ، واعتلق الشّوّاء بإزاره « 1 » ، وقال : أين ثمن ما أكلت ؟ فقال : أكلته ضيفا « 2 » ، فقال هاك وهاك ، متى دعوناك « 3 » ؟ زن يا أخا القحبة عشرين « 4 » ، ولا أكلت ثلاثا وتسعين ، فجعل السّواديّ يبكي ويمسح دمعه بأردافه ويحلّ عقدة دراهمه ويقول : كم قلت لذاك القريد ، أنا أبو عبيد ، ويقول : أنت أبو زيد ، وأنشأ يقول : أعمل لنفسك كلّ آله * لا تقعدنّ بذلّ حاله « 5 » وانهض لكلّ عظيمة * فالمرء يعجز لا المحاله « 6 » وأمّا مقامتي فإنّها : أخبرنا سنان الحشائي ، قال : ضقت بالحال ذرعا ، فأزمعت الجوب إلى صنعا ، فلمّا أنخت بناديها ، وفحصت عن حاضرها وباديها ، ألفيتها أنسة المربع ، مطابقة للشاتي والمربع ، جمعت أفنان المطالب النفيسة ، فهي تثلج الجلد وتحسم رسيسه : ففي سوقها الخلخال والشفّ رايح * وفيها الهوى والحسن راق ورائق وكم حدق تصبي النفوس لغيدها * وكم ضحكت في جانبيها الحدائق فلما بهرني حشدها ، وخالجني رشدها ، يمّمت واعظا يغسل عنّي صداء الغفلة ، أو قاضيا لا ينصب للرشاء حبله ، فانتهى بي الخاطر الحاضر ، إلى زرافات تملأ الناظر ، ورأيت شبّانا وشيبا ، يؤمون في الربض خطيبا ، فمن معتق ومرمل ، وحاسر ومزمّل ، والناس في حيص بيص ، كأنّما لهم قام منشدا أبو
--> ( 1 ) اعتلق : تعلق وأمسك ، أي أن الشواء لم يتركه يخرج ، بل أمسك به ليستوفى حقه منه . ( 2 ) أكلته ضيفا : أي كنت مدعوا لتناول هذا الطعام ، فلا يحل لك أن تطالبني بثمنه ؛ لأن الضيف لا يدفع ثمن ما أكل . ( 3 ) هاك : اسم فعل بمعنى خذ ، والمعنى : تناول من الضرب واللكم ما أنت به خليق . ( 4 ) القحبة : الزانية المحترفة ، ومعنى زن عشرين : أعط وزن عشرين درهما . ( 5 ) المعنى : لا تسكن خائر القوى فتقعد عن طلب الرزق وأنت تعلم أنه لا يأتيك حتى تعمل له ، ولا يقبل عليك حتى تسير إليه ، بل أجهد نفسك ، وادأب في السعي إليه ، ولا تدخر وسعا في تحصيله . ( 6 ) أي أنه لا بد أن يأتي على المرء يوم يعجز فيه عن القيام بحاجته ؛ فانتهز فرصة شبابك وقوتك ، واغتنم من فتوتك وحداثة سنك ما يساعدك على القيام بعظائم الأمور ، وجلائلها . شرح مقامات بديع الزمان الهمداني 69 - 73 وفيها اختلاف يسير .