يوسف بن يحيى الصنعاني

315

نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر

إلّا أنّ أبيات نصيب وقعت موقعها ، ووردت في حال يليق بها ، وأبيات الفزردق جاءت في غير وقتها . والفرزدق مع تقدّمه في الشعر وبلوغه الغاية القصوى والذروة العليا فيه ، شريف الآباء ، كريم البيت ، له ولآبائه مآثر لا تدفع ، ومفاخر لا تجحد . والفرزدق لقب له ، لأنّه كان غليظ الوجه جهمه ومعناه الرغيف الضخم الذي تجفّفه النساء للفتوت . قال المرتضى : وكان شيعيّا مائلا إلى بني هاشم ، ونزع في آخر عمره عما كان عليه من القذف « 1 » والفسق ، وراجع طريقة الدين ، على أنه لم يكن في خلال فسقه منسلخا من الدّين جملة ، ولا مهملا لأمره أصلا . ويشهد بذلك ما أخبرنا به عليّ بن محمد الكاتب ، عن أبي بكر محمد بن يحيى الصوليّ ، عن أبي حفص الفلّاس ، عن عبد اللّه بن سوّار ، عن معاوية بن عبد الكريم ، عن أبيه قال : دخلت على الفرزدق ، فجعلت أحادثه ، فسمعت صوت حديد يتقعقع ، فتأملت الأمر ، فإذا هو مقيّد الرّجل ، فسألته عن السبب في ذلك ، فقال : إني آليت على نفسي ألّا أنزع القيد من رجلي ، حتى أحفظ القرآن . وأخبرنا أبو عبيد اللّه « 2 » المرزباني قال : أخبرني أبو ذرّ القراطيسيّ قال : حدثنا ابن أبي الدّنيا قال : حدّثني الرّياشيّ عن الأصمعيّ عن سلام بن مسكين قال : قيل للفرزدق ؛ علام تقذف المحصنات ؟ فقال : واللّه ، للّه أحبّ إليّ من عينيّ هاتين ، أفتراه يعذّبني بعدها ! . وروي أنّه تعلّق بأستار الكعبة ، وعاهد اللّه على ترك الهجاء والقذف اللّذين كان ارتكبهما ، وقال : ألم ترني عاهدت ربّي وإنّني * لبين رتاج قائما ومقام « 3 » على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما * ولا خارجا من فيّ زور كلام أطعتك يا إبليس سبعين حجة * فلمّا انقضى عمري وتمّ تمامي « 4 »

--> ( 1 ) القذف : الرمي بالسوء . ( 2 ) في الأصل : « أبو عبد اللّه » وما أثبتنا من الغرر والدرر . ( 3 ) الرتاج : الباب المغلق ، والباب العظيم أيضا قائما ، حال بما يدل عليه لبين . ( 4 ) تمّ تمامي : تمّت حياتي وبلغت نهايتي .