يوسف بن يحيى الصنعاني

314

نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر

حسده الفرزدق ، وقال : أنت خطيب ، وإنما سلّم له الخطابة إذ ذاك ليخرجه من أسلوب الشعر . ولما بهره من حسن الأبيات وأفرط بها إعجابه ، ولم يتمكن من دفع فضلها جملة عدل في وصفها إلى معنى الخطابة . وحسد الفرزدق الشعر وإعجابه بجيّده من أدلّ دليل على حسن نقده له وقوة بصيرته ، وأنّه كان يطرب للجيّد منه فضل طرب ، ويعجب منه فضل عجب . ويدلّ أيضا على إنصافه فيه ، وأنه مستقلّ للكثير الصادر من جهته ، فإن كثيرا من الناس قد يبلغ بهم الهوى في الإعجاب والاستحسان لما يظهر منهم في شعر أو فضل إلى أن يعموا عن محاسن غيرهم فيستقلّوا منهم الكثير ، ويستصغروا الكبير . ولأبيات الفرزدق خبر مشهور متداول ، قال المرتضى : أخبرنا أبو عبيد اللّه المرزبانيّ قال : أخبرنا ابن دريد قال : أخبرنا أبو حاتم قال : أخبرنا أبو عبيدة عن يونس قال : دخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك وعنده نصيب الشاعر ، فقال سليمان للفرزدق : أنشدنا ، فأنشده الأبيات المتقدمة ، فاسودّ وجه سليمان وغاظه ، وكان يظن أنه ينشده مديحا فيه ، فلمّا رأى نصيب ذلك قال : ألا أنشدك ؟ فأنشده الأبيات المتقدّمة فاسودّ وجه سليمان وغاضه وكان يظنّ أن ينشده مديحا فيه ، فلما رأى نصيب ذلك قال : ألا أنشدك فأنشده : أقول لركب قافلين لقيتهم * قفا ذات أوشال ومولاك قارب قفوا خبّروني عن سليمان إنني * لمعروفه من أهل ودّان طالب فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب فقال سليمان : أنت أشعر أهل جلدتك . وقيل : إن الفرزدق القائل ذلك لما سأله سليمان عنه . وقيل : إن سليمان قال لنصيب : أحسنت ووصله ، ولم يصل الفرزدق فخرج وهو يقول : وخير الشّعر أكرمه رجالا * وشرّ الشّعر ما قال العبيد قال المرتضى : ولا شبهة في أنّ أبيات الفرزدق مقدمة في الجزالة والرّصانة على أبيات نصيب ؛ وكان نصيب قد أغرب وأبدع في قوله : « ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب »