يوسف بن يحيى الصنعاني

254

نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر

ذلك ، وكان له مجلس بالليل يحضره أهل العلم ويدونون شعره ، ولم يترك مدة أيامه غزو الفرنج وتسيير الجيوش لقتالهم في البر والبحر ، فكان يخرج البعوث في كل سنة مرارا ، وكان يحمل لأهل الحرمين من الأشراف كلّ سنة سائر ما يحتاجون إليه من الكسوة وغيرها حتى إنه يحمل إليهم ألواح الصبيان التي يكتب فيها والأقلام وآلات النسخ ، ويحمل كل سنة إلى العلويين الذين بالمشاهد جملا كثيرة ، فرحمه اللّه ورضي عنه . وكان أهل العلم يفدون عليه من كلّ جانب من سائر البلاد فلا يخيب أمل قاصد منهم ، فلمّا كانت الليلة التي قتل في صبيحتها قال : هذه الليلة ضرب في مثلها الإمام عليّ ، وأمر بقراءة مقتله واغتسل وصلّى على رأي الأمامية مائة وعشرين ركعة أحيى بها ليله ، وخرج ليركب فعثر وسقطت عمامته عن رأسه وتشوش لذلك ، فقعد في دهليز دار الوزارة فأمر فاحضر ابن الصيف . وكان يتعمم للخلفاء والوزراء وله على ذلك الجاري الثقيل فلمّا أخذ في إصلاح العمامة قال رجل للصالح : [ نعيذ باللّه ] مولانا ويكفيه مثل هذا الذي جرى يتطير منه ، فإن رأى مولانا أن يؤخّر الركوب فعل ، فقال : الطيرة من الشيطان ، ليس إلى تأخير الركوب سبيل ، ثم ركب فكان من ضربه ما كان « 1 » رحمه اللّه تعالى وعفى عنه ورضى . وقال الصلاح الصفدي في شرح الجهورية : كان الصالح بن رزيك قد ألزم الأثير بن بيان بمال رفع عليه لكونه كان يتولّى أموالا له فأرسل إليه يمتّ بقديم الخدمة والتشيع الموافق لمذهبه فقال الصالح : أتى ابن بيان ببهتانه * يحصّن بالدين ما في يديه بريت من الرفض إلّا له * وتبت من النصب إلّا عليه « 2 » فكان المال ستين ألف دينار فأخذ منه اثني عشر ألفا وترك له الثاني . قلت : لو بذل نصراني الإسلام في زماننا على أن يحط عنه خمسون دينارا لما قبل منه فرحمة اللّه على الصالح وبركاته . وما أخال أمّ الليالي تلد مثله فهو سعيد الدارين ، وكأنما نشر المسك من

--> ( 1 ) الخطط المقريزية 3 / 261 - 262 . ( 2 ) ديوانه .