محمد أمين المحبي
15
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الثقافة العربية )
عزمت على الرّحلة إلى القاهرة ، لأسبر ذلك الجمع ، وأطابق ما بين العيان والسّمع . فمنعني حكم القضا ، الذي لا يقابل إلّا بالرّضا . فوجّهت وجهي نحو بلادي ، ونزعت إلى ما تركته من طريفى وتلادى . أستهدى طرف الآثار لأودعها كتاب التّحائف ، وأخطّ نونات المنى بأيدي العيس في تلك الصّحائف . فلمّا ألقيت بدمشق عصا التّرحال ، وحلّيت « 1 » في ساحتها عقدة الرّحال . عمدت إلى مجموعى الذي انتحيت ، وطلقى « 2 » الذي إليه تنحّيت . فضممت إلى الأصل ما تلقّيته ، وأثبتّ ما اخترته م الأشعار وانتقيته . وحبّب إلىّ الانعزال عن الناس ، فلم أخالطهم في وحشة ولا إيناس . إلى أن ورد إلى دمشق الأستاذ زين العابدين البكرىّ « 3 » ، وللحياة « 4 » عطفة « 5 » بشّة ، وللجذل « 6 » نعمة هشّة . وللهضب رجاح « 7 » احتبائه « 8 » ، وللنّور المقدّس جوهر حوبائه « 9 » . فاستخرجنى من مطمورة المنزل ، وصيّرنى عن الهمّ في معزل . وأطلق أملى وكان معقولا ، وأعاد خاطري بعد الصّدأ مصقولا . ففتّقت في أوقاته مبسما ، واغتنمت للعمر الهنّى موسما . ورأيت بشرا يطّرد وصيلا ، وإقبالا يتعاقب بكرة وأصيلا . وكان أشار إلىّ بالرّحلة معه حين أن همّ بالرّجعة ، فتخلّفت لعائق خلّفنى لولوعى ، وخلّى بين الغرام وضلوعى .
--> ( 1 ) في ج : « وطويت » ، والمثبت في : ا ، ب . ( 2 ) الطلق : غير المقيد . ( 3 ) سيترجمه المؤلف في القسم الخاص بمصر . ( 4 ) في ا : « الحياة » ، والمثبت في : ب ، ج . ( 5 ) في ا ، ب : « عطفه » ، والمثبت في : ج . ( 6 ) في ا : « وللجدال » ، والمثبت في : ب ، ج . ( 7 ) في ا ، ج : « رجاج » ، والمثبت في : ب . ( 8 ) في ا : « أحبائه » ، والمثبت في : ب ، ج . ( 9 ) الحوباء : النفس .