محمد أمين المحبي
14
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الثقافة العربية )
بالحجّ والمجاورة في بيته المحترم ، وبسمت لي من أهله ثغور الفضل والكرم . حصلت على ضالّتى التي أنشد ، ووفّقت إلى من يوصّل إليها ويرشد . ورأيت ثمّة ممّن لم أسمع بهم قوما دعوا الأمل فلبّاهم ، وتصرّفوا بالأدب وأهله من منذ عقدت عليهم حباهم . من كلّ إمام شاب رأس المصابيح وما رأت له عديلا ، وخطيب تقوّس ظهر المحاريب وما وجدت له بديلا . وحكيم يبرأ به الزمان من مرضه ، وشاعر يجرى حياة النّفوس في غرضه . هم نشاط الدّهر وشبابه ، وخالصة المجد ولبابه . كأن اللّه قد « 1 » أوحى إلى البلاغة أن تجرى بمرادهم ، وعهد إلى البراعة أن تكون ثنى أبرادهم . فهبّت لي منهم أنفاس نديّة ، وتنفّست أسحارهم بروائح ندّيّة . فكانت أعطر من نشر الخزامى « 2 » ، وأرقّ من أنفاس النّعامى « 3 » . فتناولت من أشعارهم ما نمّقته وشيا مذهّبا بذكرهم ، وفتقّته مسكا أذفرا بشكرهم . وراسلونى بكل حسنة تستدعى عشر أمثالها ، فقابلتهم كأنّنى المرآة ألقى كلّ صورة بمثالها . وأنا وربّ الكعبة أحبّهم دينا وجبلّة ، واتّخذهم حرما لأمانىّ وقبلة . وأشكرهم شكر الرّوض للسّما ، وأثنى عليهم من الأرض إلى السّما . ولمّا برزت الإرادة الإلهيّة بمفارقتى البيت والمقام ، وبعدى عن ذلك المحلّ الذي خيّم الرّضا فيه وأقام .
--> ( 1 ) ساقط من : ا ، وهو في : ب ، ج . ( 2 ) الخزامى : نبت ، أو خيرى البر ، زهره أطيب الأزهار نفحة . ( 3 ) النعامى : ريح الجنوب .