محمد أمين المحبي
48
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )
مضى من أقام الناس في ظلّ عدله * وآمن من خطب تدبّ عقاربه فكم من حمى صعب أباحت سيوفه * ومن مستباح قد حمته كتائبه أرى اليوم دست الملك أصبح خاليا * أما فيكم من مخبر أين صاحبه فمن سائلي عن سائل الدمع لم جرى * لعل فؤادي بالوجيب يجاوبه فكم من ندوب في قلوب نضيجة * بنار كروب أجّجتها نوادبه سقت قبره الغرّ الغوادي وجاده * من الغيث ساريه الملثّ وساربه فما كان إلّا كلمحة طرف ، أو حلول حتف . وقد وضع على الباب الشريف ، وسمع من أجنحة الملائكة حفيف ، وتليت ولكنت أودّ أن أكون المصلّي ولا أقول التّالي في جميع ذلك التّرصيف . فما ترك الرئيس لقبا من الألقاب إلا وحلّاه بدرّه ، وعلّه بدرّه . حتى كاد النهار أن ينتصف ، والمقل تسحّ بالدموع وتكف . ومن عدم إنصاف الدهر الخؤون ، أن لم يطف به سبعا وهو لمليك هذا البيت مسنون . ثم ازدحم على رفع جنازته قاضي الشّرع والسّادة . فذادوه عنها ورفعوه على أعناق السّلاطين والقادة . وقلت في ذلك المقام ، وعيناي تهمل ولا همول الغمام : يعزّ عليّ أن أراك على غير صهوة ، وأن تنادى يا مرغم الأنوف ولا تجيب دعوة . وأن تحفّ بك الصّفوة ، ولا تدع لكرّك فيها فجوة . فطالما ضرعت لك السلاطين ، وخضعت لك الأساطين ، وأرعدت الفرائص ، وأوهنت القلائص . وحميت الحمى ولم يرعه جسّاس ، واقتنصت حتى لم تدع شادنا في كناس ، أو ليثا في افتراس . فللّه جدث ضمّك وقد ضاقت الأرض عن علاك ، ولله لحد علاك وقد اتّخذت أنعلك من السّماك . وكيف بك تحلّ في الثّرى ، فبالأثير ملعب جردك ، والسّدرة مضمار أسلافك ، والنّبوّة لحمة بردك فلك بجدّك في ارتقائك إلى العالم العلويّ أسوة ، ولنا بفقدك الجزع الذي لا يعقبه سلوة . فأنت لقيت الحبيب ، ولقينا بعدك ما يلقى الكئيب . فلك البشرى بلقياك ربك ، ولنا بك اللقيا على الكوثر وأنت فرح بشرابك وشربك . ثم يا عفيف لا تسل عن نعش حفّه الوقار ، وتقدّمه الرّوح الأمين والملائكة الأبرار . فوائح المسك الأذفر تنفح من كلّ جانب ، كأنما ينفض من غدائر خرعوب كاعب . وبالله أقسم أن طيبه نفحني وأنا في الخلوة . وهم في تجهيز تلك الذّات على هاتيك العلوة . وحاصل ما أقصّ عليك من القصص ، أنّا أودعنا في كنف الرحمن ذلك القفص . وعدنا ونحن كما يقال : شاهت الوجوه ، حيارى لا نعلم من تؤمّله وترجوه . وقد أظلم قتام العثير ، ودجا النّقع حتى خيّل لم يكن قطّ صبح أسفر ، وحين هجوم هذا الخبر المهيل ، كادت البلدة تدثر لولا تسهيل بعض ما صعب في التّسهيل . والنّداء من الحاكم بالعافية ، والأعين قد امتلأت من