محمد أمين المحبي
49
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )
الهاربين بالسّافية . وغلّقت الأبواب ، وانقطعت الأسباب . حتى . والله . كأن القيامة قد قامت ، وحقّت كلمة يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ [ عبس : 34 ] ، والأنفس قد حامت . وحال بيني وبين الخلوة طريق طالما صاحب الرّبّا ، وسبيل وبيل صرت أقطعه وثبا . فكلّ من لاقيته لا يجيب ، ومن كان من ورائي فكأنما هو طريد أو سليب . وبعد الدّفن كثر القال والقيل ، ونودي كما بلغكم وصليل السيوف منعنا المقيل . وزفّ المنادي عصبة مشهورة القواضب ، معنوقة الشّوازب . والأسواق من السّكّان خالية ، فكأنما هي خود أضحت عاطلة بعد أن كانت حالية . ودور مكة كأنها - وبالله أقسم - دور البرامكة ، وكأنها لم يتغزّل فيها برهة كدار عاتكة . ولقد تذكرت فيها قينة الأمين ، وقولها كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا أنيس غير الأنين . هذا وقد أطلت عليك ما ينبغي أن يقتصر فيه مع علوّ مكانك ، ومشيد مبانيك في البلاغة وأركانك . والله تعالى يلهمك صبرا جميلا على هذا المصاب ، ويوليك أجرا جزيلا على فقد ذلك المليك المهاب . ولا يسمعنا وإيّاك بعدها صوت عزاء أحد من الأعزّا ، ولا يحمّلنا ما لا طاقة لنا به من مثل هذه الأرزا ، فوا الرّحمن لهو الرّزء الذي كلّ رزء بالنّسبة إليه أقلّ الأجزا . والسلام . وكتب إلى الإمام عبد القادر الطّبريّ ، يسأله عمّا يرد على كلام للسّبكيّ ، ذكره في « الطّبقات الكبرى » ، في استخراج الملك العلقة التي في صدره صلّى اللّه عليه وسلم : مولانا الإمام الذي إليه هذا الحديث يساق ، الهمام الذي تشدّ إليه يعملات البلاغة ببدائع السّياق . فله السّلف الذين تتنازل الثّريّا دون مقاماتهم الرفيعة ، وينحطّ الأثير عن مكاناتهم التي هي للفخار شفيعة . على أنه العصاميّ الذي به تفتخر الأبنا ، وتتبختر في مطارف سؤدده الأعمام والأصنا « 1 » . فالمزنيّ لا يباري جود مزنه ، والرّازيّ أضحى في تقديمه منتظرا فضل منّه . هدانا الله إلى سواء السبيل ، وأغنانا بسلسال فوائده عن رقراق السّلسبيل . قال السّبكيّ : سمعت الوالد يقول ، وقد سئل عن العلقة السّوداء التي أخرجت من قلب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في صغره حين شقّ فؤاده ، وقول الملك « هذا حظّ الشيطان منك » : إن تلك العلقة التي خلقها الله في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها ، فأزيلت من قلبه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلم يبق فيه مكان قابل لأن يلقي الشيطان فيه شيئا . قال : هذا معنى الحديث ، ولم يكن للشيطان فيه صلّى اللّه عليه وسلم حظّ قطّ ، وإنما الذي نفاه الملك أمر هو في الجبلّات البشريّة ، فأزيل القابل ، الذي لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف في القلب . قال : فإن قلت فلم خلق هذا القابل في هذه الذّات الشريفة ، وكان الممكن أن لا يخلق فيها ؟ قلت : لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية ، فخلقت تكملة للخلق الإنسانيّ ، فلا بدّ منه ، ونزعه أمر
--> ( 1 ) الأصناء : جمع صنو ، وهو الأخ الشقيق أو العم ، أو الابن . القاموس المحيط ، مادة ( صنع ) .