محمد أمين المحبي

47

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

يبق من يدانيهم ، فضلا عمّن يساويهم ، ولا من يباريهم ، فكيف بمن يماريهم . ولقد ذكرت هنا قول بعضهم : [ الطويل ] دجا الليل حتى ما يبين طريق * وخوّف حتى ما يقرّ فريق وجرّدت يا برق المنون مناصلا * لها في قلوب المبصرين بريق وزعزعت يا ريح الرّدى كلّ شاهق * عليه لأنفاس النفوس شهيق سلام على الأيام إنّ صنيعها * أساء فهل لي بالنّجاة لحوق فصل ، من كتاب إلى كاتب الحضرتين الشّريفتين ؛ الحسنيّة والطّالبيّة عفيف الدين يعزّيه بموت الشريف أبي طالب ، في سنة اثنتي عشرة بعد الألف : كتبت إليك ، كتب الله لك سعدا لا يزال يتجدّد ، ومجدا لا ينقطع بانقضاء ملك إلّا واتّصل بملك ملكيّ مؤيّد . وإنما كتبت بدم الفؤاد ، وأمددت اليراع سويدائي وشفعها اللّحظ بما في إنسانه من السّواد . والكون ، علم اللّه ، كأنما هو بحر من مداد ، والقلوب ، ولا أقول الأجساد مسربلة بلباس الحداد . لا يسمع إلّا الأنين ولا يصغى إلّا لمن تفضح بنعيّها ذوات الحنين . أضحى النّقع من مثار النقع كليلة من جمادى ، وربّات الخدود يلطمن الخدود مثنى وفرادى . وذو الحجى يغوص في لجّة الفكر فيسمع له زفير ، وليث العرين كاد من صدمة هذا المصاب أن يتفطّر من الزئير . وشارف الحطيم أن يتحطم ، وأبو قبيس أن يتقطم ، وبيت الله لولا التّقى لقلت ودّ أن يتهدّم . وأخال أن الحجر أسف حيث لم يكن تابوتا لذلك الجثمان وتندم . أيّ داهية دهياء أصابت قطّان ذلك الحرم ، وأي بليّة نزلت بلازمي أذيال ذلك الملتزم . إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [ البقرة : 156 ] ، كلمة تقال عند المصائب ولم نجد المصيبة مثلا ، ولم تشاركنا فيها حزينة ولا ثكلى . بأيّ لسان نناجي وقد أخرسنا هذا النازل ، بأيّ قلب نحاجي وقد بلغنا هذا الجدّ الهازل . بينا نحن في سرور وفرح ، إذ نحن في هموم وترح . أشكو إلى مخدومي ضحوة يوم شمسه كاسفة ، أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ( 57 ) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ [ النجم : 57 - 58 ] . أقبل نعش لابس أثواب المرحمة بعد الخلافة ، المتلقّي روحه الملائكة مع الحور على الأرائك تتحفه بالسّلافة . والأيدي ممتدّة إليه تشير بالعويل ، والحجّاج وأرباب الفجاج يضجّون بالنّحيب الطويل . وكادت آماقنا والله أن تسيل ، وأضحت جلاميد القلوب كضحاضح المسيل . فلم نجد أحدا من الرّعايا إلا وهو محرور ، وذو قرابته في الحيّ مسرور . إنا لله من هذه الطّامة ، التي أدهشت العامة ، وأذهبت الشامّة . ليت شعري أبعده السّلاهب تركب ، أم الجنائب تجنب ، أم المقربات تقرب ، أم المنابر يتلى عليها غير اسمه ويخطب . [ البسيط ] وا حرّ قلباه ممّن قلبه شبم