محمد أمين المحبي

46

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

في ميدان العلوم فملك عنانها . أما الشعر فهو منمنم حلّته وناظم حليه ، وأما النثر فهو مبدع زهره ومنمّق وشيه . وكان فيصل أحكام ، ومصدر إتقان وإحكام . ولما دخل اليمن في دولة الرّوم ، قام له حاكمها بكلّ ما يروم . فحلّاه بحلية القضا ، وأرهف حسام أمله بذلك المضا . ولم يزل مجتليا وجوه أمانيه مشرقة ، مجتنيا من رياضها أغصان حظوة مورقة . إلى أن فجعه الدهر بمخدومه ، وعاجله أمر القضاء والقدر بمحتومه . هناك انقلب إلى وطنه ، شاكيا ما حلّ به من ضيق عطنه . ولقي بعد ذلك أحوالا ركب صعبها وركوبها ، وأهوالا امترى أخلاف شآبيبها منهلّها وسكوبها . كما أفصح عن ذلك في رسالة كتبها لبعض كبراء الحجاز ، يقول فيها : ولما قفلت عائدا من اليمن ، بعد وفاة سنان باشا وانقضاء ذلك الزمن ، اخترت الإقامة في الوطن ، بعد التشرّف بمجلس القضاء في ذلك العطن ، إلا أنه لم يحل لي التخلّي عن تذكّر ما كان في تذكرة الخيال مرسوما ، وتفكّر ما كان في لوح المفكّرة موسوما . فاخترت أن أكون مدرّسا في البلد الحرام ، وممارسا لما آذن غبّ الحصول بالانصرام . ولم يكن في البلد الأمين كفاية ، ولا ما يقوم به الإتمام والوفاية . انتهى . وما زال مقيما في وطنه وبلده ، متدرّعا جلباب صبره وجلده . حتى انصرمت من العيش مدّته ، وتمّت من الحياة عدّته . وها أنا مثبت من بديع إنشائه ، ما يدعو لطرب اللبيب وانتشائه . وأتبعه من عالي نظامه ، ما يغني عن مجلس الأنس وانتظامه . فصلا من كتاب لبعض أصحابه : ينهي المملوك أنه لا يزال ذاكرا لتلك الأيام الماضية ، شاكرا لهاتيك الأعوام التي حلت بفضل مولانا ، ولا أقول مرّت بمسرّات لا تزال النفس لدينها متقاضية . [ الخفيف ] كم أردنا هذا الزمان بذمّ * فشغلنا بمدح ذاك الزمان أقفر الصّفا من إخوان الصفا ، وخلا الحطيم من رضيع الأدب والفطيم . وأقوت المشاعر ، من أرباب الإدراك والمشاعر . [ الطويل ] كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكّة سامر وكان علم مولانا محيطا بحالي ، إذ كنت آنس بأولئك الجلّة وأرباب المعالي . فلم