محمد أمين المحبي

5

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

صحيفة مجده لم يجد نقط شكلها حسود ، وأقلام مدحه ليس همّها إلا ركوع وسجود . أنديته مصبّ مزن الفضل ، فهي ذات سقيط وندّى مخضلّ . تبذل الأعمار في لقائه نقدها ، وتنتطق الجوزاء في خدمته عقدها . ومن حق هيبته عند ذوي الآداب ، أن يعقدوا إذا لمحوه الحواجب بالأهداب . أراد البحر أن يحاكي نداه ، فقصّر عنه ولم يدرك أدنى مداه . فهو لذلك في اضطراب وأمواجه في التطام ، وطفل النّبت يغتذي بندى كفّه فلا يخشى عليه منها إلا الفطام . فلو استجارت أوراق الخريف ، بظلّ حمى نداه الوريف . لما سلبت بردا زهى للعيون وراق ، وظلّت شاكرة فضل الربيع بلسان الأوراق . إليه انتهت الرّغائب ، وحضر نداه الخضر وهو غائب . وهو الذي دخلت الروم لأجله ، وحصلت من لقاه على أعظم الأمل وأجلّه . وهو إذ ذاك عن رتبة البدر متقاعد ، ومع الشمس في الظهور رابعة النهار متواعد . فشاهدت ملكا في صورة إنسان ، يملأ العين بالحسن والكفّ بالإحسان . وله السعادة مهيّأة ، وبه الدنيا وأهاليها مهنّأة . فوردت بحرا من جوده نميرا ، وارتقيت حيث أعدّ النجم سميرا . وكم مجلس بين يديه ، قرأت فيه سورة الأدب لديه . تنطقني فضائله بما أنظم فيه من الغرر ، فأغدو كمن قلّد البحر من فرائده بعقود الدّرر . ثم أفيض عنه فيض النهر ، وأنصرف انصراف الصّبا عن الزّهر . وقد آليت لا توقّعت خيرا سوى خيره ، ولا أمّلت الرغبة عن شقّ القلم لمدحة غيره . وصفوي محميّ به عن الشوائب ، وجسدي محرّم على أنياب النوائب . وكانت لي وراء رأيه مواعيد ، كنت منها على نيل قريب غير بعيد . فعاق عنه موته الذي بدّل السرور بالترح ، وترك الحزن شامتا بالفرح . فدفن به كنز كان في الزمان لقيّة ، وتم به السرور لكل حي وكانت عندنا منه بقيّة . فنعته الهمم ، وماتت بموته أمم . [ الوافر ] وما فجعت به الدنيا ولكن * غدت بفراقه الدنيا يتيمه فعلى قبره من الرحمة الحافّة ، عدد أنفاس الخلائق كافّة . وقد أوردت له من آثاره التي جلّت ، وأسفرت عن شمس البلاغة حين تجلّت .