محمد أمين المحبي
4
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )
فكلهم عصابة بارعة ، وآراؤهم إلى الغوامض مسارعة . بأنفس كريمة الشمائل والغرائب ، وقرائح تقذف بحارها بدرر الغرائب . وحرص على لقاء كل ذي علم ، وتخلّق بأخلاق كل ذي مروءة وحلم . وقد خرج جماعة من أعيانهم ، زانوا الأدب وزيّنوه بحسن بيانهم . أشعارهم بالألسنة الثلاثة حجة أهل اللّسن ، وفاضحة المذهبات الثلاث الماء والخضرة والوجه الحسن . لو كنت أوفّيهم حقّهم الراتب ، وأخلص من تبكيت المزدري والمعاتب . لجعلت الطّرس « 1 » من صحيفة الخد ، والقلم من ألف القد . ثم كتبت وصفهم بالتّبر ، فضلا عن الحبر . ووهبت للناسخ ، نفس ودّي الراسخ . وقلت فليكن الناقل ، ممن لا يقذف صفحته إلّا إلى الصاقل . وقد ابتدأت الباب باثنين منهم ، رويت حديث الثنا في محلّهم عنهم . وعقّبتهم باثنين آخرين ، رأيتهما بدمشق وقد بزغا كالقمرين . ثم أذكر بعدهم من له شعر عربيّ اطّلعت عليه ، ثم من له شعر تركيّ انتخبت من شعره مفردات عرّبتها ونسبتها إليه : 140 - شيخ محمد بن لطف اللّه بن زكريا بن بيرام أستاذي وملاذي ، وعتادي وعياذي . عين المعالي وإنسانها ، وقلب المعارف ولسانها .
--> ( 1 ) الطّرس ، بالكسر : الصحيفة من الورق . اللسان ( طرس ) . ( 140 ) - هو محمد بن لطف الله بن زكريا بن بيرام الشهير بشيخ محمد العربي . عين الروم وعماد ملك بني عثمان وصدر علمائهم ، وأوحد العصر في العلم والفضل وسائر أدوات الرياسة والآخذ من الآداب بالطرف القوي وكان إليه الإشادة في الفصاحة والبراعة مع حسن النظم والنثر في الألسن الثلاث . توفي أبوه وهو ابن سبع سنين ، فكفله عمه شيخ الإسلام يحيى . ثم أسرع في الاشتغال فقرأ أولا على الأستاذ السيد محمد نزيل قسطنطينية ثم على حامد بن مصطفى الأقسرائي ، وعلى المولى حسن الطويل قاضي العسكر ، ثم لزم المولى محمد الكردي الشهير بمنلا جلبي ، وعلى الملا عبد الله ، وتخرج في الأدب على عمه . ومات عمه بعد ذلك فاستقر في داره وورثه وانضمت إليه حواشي عمه من الصدور . درس بمدرسة أسماء خان بنت السلطان سليمان ونقل منها إلى دار الحديث وأعطي منها قضاء الشام ثم نقل منها إلى مصر ، ثم عزل وتولى قضاء بروسة ثم أعطي قضاء أدرنة ، ثم صار قاضيا بدار السلطنة ثم ولي قضاء العسكر بإناطولي ، ثم عزل عن قضاء العسكر وقدم إلى دار السلطنة فانزوى في داره واستمر مدة لا يخرج إلا في يوم الثلاثاء ويوم الجمعة . وكانت ولادته بفلبه سنة تسع وثلاثين وألف وتوفي في شوال سنة اثنتين وتسعين وألف ودفن بمدرسة جده شيخ الإسلام زكريا . ا . ه . خلاصة الأثر ( 4 / 131 ) .