محمد أمين المحبي

3

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

الجزء الثالث [ الباب الثالث : في نوابغ بلغاء الروم ] [ مقدمة ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وهذا الباب فيه الغرض المروم ؛ فإن دار خلافتها وإن تباين فيها اللسان ، ففي أهلها حذق لا يعيقه مزيّة وجدت في نوع الإنسان . فسبحان من جعل جبالها السبع بمنزلة الأفلاك ، مطالع الأضواء ومغارب الأحلاك ، ومغرّد طيور جملة الأملاك ، وسبب انتظام هذه الأسلاك . فسما بها الفرع الباسق ، والأصل الثابت ، وطاب لعمري فيها المنبت والنابت . كيف وهي حاضرة الدنيا ، وواحدة المفردة والثّنيا . ومجمع أهل الفضل تنظمهم في سلك ، وتنزّههم فيما أنالها اللّه من ملك وملك . وقد أمنت بحمد اللّه من الصائل ، وحمدت فيها البكر والأصائل . ولها الحظوة التامة ، والمحاسن الخاصة إلى الخيرات العامة . مع اللطافة المشربة بالغضارة ، والطلاقة الممكنة من مفاصل النّضارة . فهي قيعة الظل الأبرد ، وكناس الغيد الخرّد . ومهوى هوى الغيث الهاتن ، ومأوى اللفظ الساحر واللّحظ الفاتن . وبها المباني الشّمّ الأنوف ، والقصور الجمّة الحلى والشّنوف . رياضها وريقه أريضة ، وأهويتها صحيحة مريضة . ومرابعها مراتع النواظر ، ومطالع المسرّات النّواضر . تصبو النّسمات إلى مسارحها الرّحاب ، وتبكي شوقا إليها جفون السحاب . ولعهدي بها إذا أخذت بدائع زخارفها ، ونشرت طرائف مطارفها . وقد ساقت إليها أرواح الجنائب ، زقاق خمر السحائب . فسقت مروجها مدام الطّلّ ، فنشأ على أزهارها حباب كاللؤلؤ المنحلّ . هناك رأيت كل شعب يحدّث عن شعب بوّان ، وكلّ منظر يتجلّى عن أشكال من الزّهر وألوان . [ الخفيف ] بسطت فوقه برود ربيع * عندما زاره وفود الشمائل خطّ فيه كتاب توحيد ربّي * نقطه النّور والمياه الجداول فتلته طيوره دارسات * وأعادته مفصحات العنادل أغنت السمع عن مراء جدال * راميات لنقل حمل الدلائل وأنا إذا بسطت فيها القول ، وهدرت هدر الشّول . فغاية ما أقول : هي العروس المتبرّجة ، والروضة المتأرّجة . فصان اللّه جمالها وجلالها ، ووقى من حرّ الهجير ببرد النعيم ظلالها . ولا زالت قوافل العوائد الإلهية واصلة إليها ، ودامت دار إيمان إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها . ومع ما أعطاها اللّه من تحف تحفّ بها وكرامة ، فقد اجتنت أهلها أثمار الرّحلة في ظلّ الإقامة .