محمد أمين المحبي

38

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

ذو البنان الرّطب ، والبشر الذي يفرق منه الخطب . فسيح مدى الإغضاء وفضاه ، منتقب وجه غضبه برضاه . انتسخت شمائله من الصّبا في المنازه الرّحاب ، وارتضعت خلاله مع طفل النّور أخلاف السحاب . فيكاد من رقته يذوب ذوبان عليّ بن الجهم ، وتتقطّر مياه البراعة من أعطافه إذا أخذته حرارة الفهم . وله قوة إلهاميّة ، على افتراع بنات الأفكار ، وسليقة غريزيّة ، في اختراع المعاني الأبكار . ومن آثاره الفريدة ، « مختصر الجريدة » . سماه « عودة الشباب » ، كله لبّ اللباب . وكان ممن ولي قضاء القاهرة ، فافترّت « 1 » مباسمها عن فضائله الزاهرة . وقد سلك في قضائه بها أجلّ مسلك جليّ ، وصدق الحديث المروي : « أقضاكم عليّ » « 2 » . وبها عطل منه جيد القضا ، على مقتضى الحكم الذي لا يقابل إلّا بالرّضا . فعلى أخلاقه الرّضيّة ، رضوان الله ورحمته الرّاضية المرضيّة . فمن توشيات « 3 » قلمه ، قوله في الاعتذار عن اختصار الخريدة : ولما وجدت بعض نقده أزيف من رائج زماننا ، شرعت في تمييز الجياد واكتفيت باقتطاف الجياد من ثمار أغصانها ، بل قنعت بالعرف الضائع من بأنها . وإني وإن فاتني بعض جواهره فالغائص يعذر بما في يديه ، ويشكر الصّبا مقبّلا من الحبيب بعض عرف صدغيه . فجاء بحمد الله تعالى غادة تسحر القلوب بألفاظها القسّيّة ، وألحاظها البابليّة . تصيد القلوب بألحاظها التي زيّنها الجمال بالفتور ، فمن نظر فيه يشتعل قلبه بالنار وتكتحل عينه بالنّور . وإني غير آمل من أبناء الزمان تحسينهم ، وبقلادة حسن القبول توشيحهم وتزيينهم . فإنّ من جرّب الناس في أمرهم ، يعرف أن الناس مشتقّون من دهرهم . بل مانؤمّله من كرمهم الفسيح ، أن لا يورّدوا وجهه بالتّصريح بأنه قبيح . [ البسيط ]

--> ( 1 ) افترّت : تفتحت . ا . ه اللسان ( فتر ) . ( 2 ) الحديث المستدرك . ( 3 ) أوشى : استخرج كلاما أو شعرا ، ووشى الثوب : حسّنه . ا . ه اللسان ( وشى ) .