محمد أمين المحبي

35

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

واحد الزمان ، وثاني النّعمان . طلع شمسا في فلك الفتيا فلما قابل أرضه البدر انخسف ، ودار كل شهر على لقاه فلما آيس انتحل بل امتحق من الأسف . فشعشت الآفاق منه غرّة في جبين المجد مشرقة ، واستقرّ به في ذلك المركز شخص لم يدخل العلوم من باب واحد بل دخلها من أبواب متفرّقة . فأطاعته الدولة إطاعة المملوك لمالكه ، ونفذت كلمته نفاذ كلمة المليك في ممالكه . في رياسة مطارح ظلالها حرم ، وكلّ فعالها جود وكرم . فلم يدع لفضل الفضل ذكرا ، وترك معروف يحيى بن خالد نكرا . بل لم يبق لكعب ، من علوّ كعب . وأنسي دعوة حاتم ، بأيّ مادح وخاتم . تتنفّس الأسحار عن آثاره ، وتتبسّم الأماني عن جوده وإيثاره . والدنيا مشرقة بلألاء وجهه المضي ، والأيام تغضب إذا غضب وترضى إذا رضي . وقد ضمنت مساعيه أن يشكر ، وأن لا تعذب الأفواه حتى يذكر . وله القدر الذي استخدم الأنام ، واستعبد الليالي واسترقّ الأيام . إذا أقبل في كوكبه وجلاله ، تسجد الأجفان لتعظيمه وإجلاله . فرأيه سراج الملوك ، وذلك من نظمه الذي هو نظم السّلوك . وهو في الأدب أوحد من لان له الكلام ، فإذا أمسك القرطاس اختصمت أفواه الدّوي في تقبيل أقدام الأقلام . [ الكامل ] يستوقف العليا جلالا كلّما * سجد اليراع بكفّه تبجيلا لا تستنير به المعالي غرّة * حتى يسيل به النّدى تحجيلا وكل من كان في عصره ، فهو هاصر غصن الأدب من محلّ هصره . وأكثرهم عليه تخرّج ، وفي بستانه تأرّج « 1 » . ومن طبعه اكتسب ، وإلى طريقه انتسب . فرياض أفكاره باسمة الثغور عن شنب المعاني والألفاظ ، وغياض أشعاره متفتّحة عن ورد الخدود ونرجس الألحاظ . تهزّ أعطافها ارتياحا به القوافي ، وتحثّ لها النّدمان أكؤسها على الغدران الصّوافي . [ البسيط ] مستظهر بعبارات وألسنة * تفتّتت كالرياض الغرّ ألوانا

--> ( 1 ) تأرّج : الأرج : الرائحة الطيبة . ا . ه اللسان ( أرج ) .