محمد أمين المحبي
10
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )
وكنت وأنا بالرّوم اجتمعت به مرّات ، وشاهدت طلعة هي موسم أفراح ومسرّات . فلما ورد دمشق كانت رؤيتي له ثانية ، وفيها تدلّت عليّ ثمرات إقباله متدانية . وشدّيت للقاهرة في خدمته الرّحل ، وكنت معه بها في زمن كزمن الفطحل . في أوقات كلها برؤيته نعيم وطلاوة ، أتلو بها أوصافه على القلم فيسجد لها سجدة تلاوة . وأنا أعلّق من نفائسه كلّ ذخيرة ، وينسيني الليلة الأولى منه بالأخيرة . وتسهر عيني فيه والحظّ نائم * كأنّي من خوف المكاره أحرسه ولقد أشتهي أن أحلّ كلّ جسم ، ليكون لي من رؤية وجهه كل قسم . وإذا رغب إلى الله راغب ، في تسهيل ما له من مطالب ورغائب . فإني أرغب في التوسّل بطول عمره ، وارتقاء أمره . إلى أن يعمل الاسم في الحرف ، ويمتنع زيد من الصّرف . وحتى يشغل الجسم حيّزين ، ويحلّ في مكانين . وقد أخذت من أشعاره التي جاوز الشّعرى تراقيها ، وكأنّما نظم المحاسن عقد في تراقيها . ما لو ضربت بيوتها بالحجاز ، لأقرّت لها العرب العاربة بالإعجاز . [ البسيط ] قصائد إن تكن تتلى على ملأ * صدورها علمت منها قوافيها ينسى لها الراكب العجلان حاجته * ويصبح الحاسد الغضبان يرويها فمنها قصيدة نبوية ، أولها : [ الطويل ] متى هتفت بالجنح ورق الحمائم * أنارت جوى قلب من الوجد هائم سقى اللّه ساحات العذيب وبارق * بكل همول الودق أوطف ساجم « 1 » إذا بارق شمناه من نحو بارق * تأجّج نار في الحشا والحيازم « 2 » فها أنا مطويّ الضلوع على الجوى * إلى لثم هاتيك الرّبى والمعالم ألا أيها الحادي ترفّق بمهجتي * وباليعملات الدّاميات المناسم « 3 » أحنّ ادّكارا نحو منعرج اللّوى * وأصبو إلى سفح النّقا فالأناعم فيسّر إلهي أن أعفّر جبهتي * بساحات هاتيك الرّبى والمعالم
--> ( 1 ) ساجم : المطر ، يقال : سجمت السحابة المطر . ا . ه اللسان ( سجم ) . ( 2 ) الحيازم : جمع حيزوم ، وهو وسط الصدر . اللسان ( حزم ) . ( 3 ) المناسم : جمع منسم ، وهو طرف الخف من الناقة . ا . ه اللسان ( نسم ) .