محمد أمين المحبي
7
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )
وكان بقي للشّعر خصاصة فاستظهروا على سدّها ، وأنشوطة استنهضوا هممهم لشّدّها . صنيعهم صيّر الزّمان من تقصيره في وجل ، وأظنّه أطلع الورد في خدّ الربيع إشارة لما عنده من الخجل . فوسقت في بحارهم السّفائن ، واستخرجت من محاسنهم الدّفائن . واجتنيت من ثمرات خواطرهم كلّ يانع مستطاب ، وحشوت صدفة أذني من تلك اللآلئ الرّطاب . وملأت السّمع منهم كلما * يحسد القلب عليه الأذنا لكنّي لم أقض من رؤيتهم مطمعا ، حتى غربوا هم وشمس الفضل معا . فعاينت الوجود دونهم كالنّهار بلا شمس ، وعاينت الأمر ولا هم كالرّاحة بلا خمس . وفقدت بهم الوطر الذي شايعته ، والأمل الذي على الوفاء والرّعي للذّمم بايعته . فلم ألبث حتى كرهت الثّوى ، وتحرّكت عزيمتي لداعي النّوى . فأنضيت لجهة الرّوم العزم ، وأدخلت على حرف العلّة عامل الجزم . فعل امرئ جدّ جدّه ، وما رأيه إلّا في مفخر يستجدّه . فإن في الانتقال تنويها لخامل الأقدار ، ولولاه لم يكس البدر حلّة الأبدار . وكذا الدّرّ ضائع الحسن في البح * ر فإن بان عنه راق جمالا ومياه البحار ملح فمهما * حملتها السّحاب عدن زلالا فدخلت أمّهات بلادها دور الخلافة ، واستقرّيت آخرا بقسطنطينيّتها ، لا زالت مصونة من كلّ آفة . والدّولة إذ ذاك بالكلمة الغالبة تنطق ، والدّنيا تتوشّح بتلك الحماية وتنتطق . والأيام مقسطة ، والأنام منبسطة . والزمان كلّه نهار ، والمنابت طرّا أزهار . وملك الزّمان السلطان محمد ، ختم اللّه بتأمينه ، مذ صافحت آفاقها أسرّة جبينه . حدّثت عن الحياة الخضرة جنباتها ، واستحال زمرّدا وزبرجدا نباتها . والأفئدة بطاعته تدين ، وقد تهنّى بمكانه الدّنيا والدّين . ورأيت أستاذي الشيخ محمد بن لطف اللّه الذي توجّهت بكلّيّتي إليه ، وأوقفت أملي مذ أنا يافع عليه . وهو مقصد الواصف والمادح ، وملهج لسان النّاطق والصّادح . وقد استوفى من الصّدارة تمام العزّة ، وأوفى شرفه على كلّ الأعزّة .