محمد أمين المحبي

8

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

وكان للأدب ممن تلافى ذماه ، وروى ببشره ظماه . فأصبحت حسنات الدهر به موفورة ، وسيّآته بوجوده مغفورة . ونفضت لديه علائق التّرحال ، ورفرفت عليه آمال الرّجال . من كلّ من اتّخذ الأدب مفخرا يرغم به أنوف المفاخرين ، والثّناء الجميل مدّخرا ، وهو لسان صدق في الآخرين . فحاسيتهم بحضرته كؤوس مودّة أصفى من الماء ، وتلقّيت منهم كلّ نادرة تفضح نجم السّماء . ثمّ لمّا قضى اللّه موت الأستاذ ، برّد اللّه حفرته ، ونوّر بنور الغفران غرّته . قضاء منه سبق في بريّته ، وسوّى فيه بين آدم وذرّيّته . رأيت الدّهر قد عاندني في الدّيار والأحباب ، وكساني المشيب قبل أن أعرف مقدار حقّ الشّباب . وقد ولّتني الثّلاثون أذنابها ، وصبّت عليّ المصائب ذنابها . وغاب هلال الصّبا في مغاربه ، وألقيت حبل الصّبا على غاربه . بعد ما كان ذرعي عن هموم الأثر خاليا ، وحالي ببرد العيش حاليا . فرميت الشّام بعزمة المنتاب ، وقد رضيت من الغنيمة بالإياب . فحلّيتها في عصر ذهب رواؤه ، وفرغ من المعارف إناؤه . وعضد الأدب هيض « 1 » ، وثمده بعد هنيئة غيض . حتى تقلّصت ذيول ظلاله ، وبكت عيون المنى على أطلاله . والناس إمّا ساكت ألفا ، أو ناطق خلفا . ولزمت كسر البيت ، وسكنت سكون الميت . متكفكفا بما في يدي ، ومستدفعا ليومي وغدي . وأنا في الدّنيا الموصوفة بالنّضارة ، من جملة النّظّارة . أرمقها يمنة ويسرة ، فلا أرى إلّا هما وحسرة . ولا أراني إلّا كاسفا معنّى ، وكأنّني لفظ بلا معنى . فرمان فرحي أقصر من التفات الحبيب ، وتلفّتي للسّرّاء تلفّت المريض للطّبيب . في أوقات أثقل من الحديث المعاد ، وأطول من عمر الانتظار لوقت الميعاد . ولا سمير لي أوانسه ، ولا جليس عندي أجانسه . سوى أوراق مزّقتها الرّيح ، وفرّقت شملها التّباريح . التقطتها كلّ واحدة من بقعة ، وجمعتها من كلّ رقّ رقعة .

--> ( 1 ) من المجاز ، هاضه الكرى ، وبه هيضة الكرى : تكسيره وتفتيره . وتماثل المريض فهاضه كذا : نكسه . ا . ه انظر أساس البلاغة ، مادة ( هيض ) .