محمد أمين المحبي
6
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )
لناظريّ ملمحا ، واتّخذته لفكري من بين المعارف مطمحا . وكنت أعدّه لصحائف الشّمائل عنوانا ، وأرتّب لبيت قصيدة في بدائع المآثر ديوانا . وأشيم من آفاقه بوارق السّحر ، وأشمّ من أردانه روائح الشّحر . فأرتشف منه ما هو أشفّ من الماء في زجاجه ، وأشتفّ ما هو ألذّ من الرّحيق في مزاجه . وأنا من الابتهاج به كما التقى الغدير بالزّهرة ، ومن التّملّي به كما تقابلت الثريّا بالزّهرة . فطالما وردت منه ما صفا من الأمواه ، وبسطت حجري لالتقاط درره من الأفواه . وعكف طرفي في محاريب دفاتره ورشف يراعي ماء الحياة من ظلمات محابره . هذا وغصن شبابي غضّ وريق ، وتحايا مدامي « 1 » عضّ وريق . وأنا أجري في طلق الصّبا طلق الصّبا ، وأذهب في نيل البغية مذهبا مذهبا . فكم ليلة نادمت فيها الأماني ، ووفى لي في جنحها بالضّمان زماني . فتناولت أحاديث كالأرياق ، نظمتها كالعقود تلوح من الأزياق . وذلك في مسقط رأسي ، ومشتعل ذؤابة نبراسي . خطّة السّرور والفرح ، وحلّة القدح والقدح . ومنى الأماني ، ومغنى الأغاني . وقبلة القبول ، وشملة الشّمول . البلدة الفيحاء دمشق ، الطيّبة العرف والنّشق . لا زال خفّاق النّسيم يلعب بعذبات واديها ، وهطّال السحاب يراوح دمنتها ويغاديها . وحيّا اللّه أعزّاها الذين بهم التقيت ، ونجوم أفقها الذين بصحبتهم ارتقيت أديبهم يهزّ له الأدب هيف معاطفه ، وأريبهم يمدّ به النّدى بساط عواطفه . يرمون عند هدر الشّقاشق في حدق البيان ، ويصيبون بالكلم الرّواشق غرض التّبيان . ويتنافسون من السّحر في المناظم ، وما يتصرّفون فيه إلّا على ذائقة الأعاظم . من بدائع لو عثر عليها سحرة موسى لتابوا ، وروائع لو اطّلع عليها المصوّرون لعدلوا عن نهجهم وأنابوا . وما منهم إلا من بطش فيما انتحى بباع بسيط ، ولم يزل عن موقف الصّواب مقدار فسيط .
--> ( 1 ) المدامة : التي أديمت في مكانها حتى سكنت حركتها ، أو لأن شربها يدام أياما دون سائر الأشربة . انظر : فقه اللغة وسر العربية 2 / 463 . واللسان ، مادة ( دوم ) ، وأساس البلاغة ، مادة ( دوم ) .