أبو الوفاء بن عمر الحلبي العرضي

359

معادن الذهب في الأعيان المشرفة بهم حلب

نيران الحرب ، وقام موسم الطعن والضرب ، فانكسر أبازه والتتر وكافل الشام لقلة عسكرهم . وجد سيرهم فرجعوا وقد قتل منهم ما يقارب نصف عسكرهم . فغلب الخوف على خليل باشا وحسن عنده أن يرجع إلى بلاد سلطانه ، وحسّن باش دفتردار باقي زاده ذلك له خوفا على زيادة تكليف باقي باشا . ثم إن أصحاب الرأي من الشيوخ قالوا للوزير : « إن رجعت تنتشر الأخبار أن العثمانية انكسروا يصير « 1 » ذلك عارا ، فاعتمد على اللّه وأدخل إلى بلادهم فإنه قد جرت عادة اللّه مع العثمانية ، لا يكونون على هيئة ترتيبهم في الحروب ، يجعلون السّباهية وراء ظهر الوزير أو السلطان والينكجرية أمامه ، ومقدمة ذلك الأمراء وعساكر بقية البلاد إلا وينتصرون » . فدخل خليل باشا بعزيمة كالجبال وعساكر كالرمال ، وجاس خلال هاتيك الديار بعسكره الجرار . فصادف حلولهم يوم الأضحى محل القتلى من العثمانية الذين قتلوا مع أبازه فأراد الوزير أن ينزل هناك لأجل العيد ، فأشار عليه الأكابر من أرباب الأمراء بأن لا ينزل لئلا تضعف قلوب العساكر ، وكان ذلك نعم الرأي ، ولهذا أشار اللّه عزّ وجل إلى حسن الاستشارة بقوله : 4 « إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً « 2 » . فاستمر العساكر في جدّ المسير من غير أن يصلّوا صلاة العيد ، ولا أكلوا طعام العيد إلى المساء ، حتى تجاوزوا عن القتلى ، فاستمروا سائرين في بلاد العدو حتى بقي لهم عن أردويل « 3 » مرحلة كبيرة ، فخاف الشاه على مراقد أجداده ، وخراب عمدة بلاده ، فبعث الرسل المتوالية في طلب الصلح حتى انعقدت صفة الصلح ، وأرسل الشاه الهدايا والحرير إلى حضرة سلطان الاسلام .

--> ( 1 ) في الأصل : ويصير . ( 2 ) الآية : 30 / البقرة . ( 3 ) أردويل : من أشهر مدن آذربايجان ، بينها وبين تبريز سبعة أيام ( معجم البلدان ) .